ما الذي قد يعرفه طفل في الثالثة عشرة من عمره حين يرمي به السجان في الزنزانة فتصبح القضبان رفيقاً له بدلا من مقاعد الدراسة، وما الذي قد يفقهه “أصغر سجين سياسي”، مرتجى القريريص، حين ينتزع من سجن الأحداث ويُزج به إلى سجن مباحث الدمام! وهل يا ترى سيكون مصيره المثول أمام قاضيٍ وجلاد في الوقت ذاته بالمحكمة الجزائية المتخصصة في الرياض؟

من سيكون صوته هناك ومن سيكون المحامي حين تُغيب الحقيقة أمام الطفولة المسروقة؟ وما التهم التي تتربص بمجتبى أمام الكم الهائل من الأحكام المجحفة التي أصدرتها المحكمة بحق نشطاء ومصلحين؟

مَن أمِن العقوبة… ليس غريبا أن يقوم قضاة المحكمة الجزائية المتخصصة بالرياض بإصدار أحكام قاسية بحق ادعاءات لا ترقى لمستوى التجريم لا في القوانين التشريعية ولا في الأعراف الدولية، لأن النظام القضائي لا يتسم بالاستقلالية بل يخضع لسلطة العائلة الحاكمة ومؤسساتها ويعمل كإجراء روتيني لإكمال مسرحية ثالوث الشرعنة تحت خيمة الدين والقانون والدولة. تجاهلت “السعودية” حين سارعت لترويج صورة الإصلاح البراقة والعائلة المتمدنة، النظام القضائي الذي يُساء استخدام السلطة عبره لارتكاب تعنيف جماعي ممنهج ضد المجتمعات والتحركات النهضوية في البلاد، ونقل البعض عن مسؤولين أن أوامر “عدم التسامح” صادرة من مستويات رفيعة.

علماً أن قانون البلاد بات مفرغاً وليس تشريعاً صحيحا من الممكن أن يحاجج به، لأن مواده صيغت بطرق فضفاضة لخدمة فئة محددة، كما أن عناصره تم استخدامها لتنفيذ أجندات معينة. وحتى الحقوق الأساسية للفرد الموقوف شهدت وسجلت رصيدا عاليا من التجاوزات العريضة على الرغم من التشدق بوجودها علنا في المؤتمرات الحقوقية وحتى عبر موقع التواصل الاجتماعي “تويتر”.

في الوقت ذاته غدا من اللافت إحالة جُل قضايا المعارضة السلمية بكافة أشكالها لقاعات المحاكم المغلقة في الجزائية المتخصصة، وبداخلها جرى تقريع المطالبين بحقوق الإنسان عبر توجيه أحكام قاسية باستخدام قانون مكافحة الإرهاب، الذي كان من السهل على القضاة مطمطته وتسييسه. وهذا ما يعززه تقرير “تحدي الخطوط الحمراء” لمنظمة “هيومن رايتس ووتش” الذي أكدّ أن “كثيراً ما يُحكم على المدعى عليهم باتهامات سياسية من قبل المحكمة الجزائية المتخصصة، التي تم تشكيلها لنظر القضايا المتعلقة بالإرهاب، والتي تحرم المدعى عليهم بشكل متكرر من الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة، بما في ذلك الحق في محامي، وتصدر أحكامها في جلسات مغلقة.”، ذاكراً في ذات السياق أن السلطات تستمر “في احتجاز نشطاء حقوقيين سعوديين بارزين بمعزل عن العالم الخارجي لفترات طويلة، مع قطعهم بالكامل عن الاتصال بأقاربهم وعن العالم الخارجي.

قامت سلطات السجون باحتجاز الناشطين سليمان الرشودي وفاضل المناسف بمعزل عن العالم الخارجي لفترات طويلة، بعد أن قبضت عليهما الشرطة بسبب نشاطهما السلمي بمجال حقوق الإنسان، واتهمت كل منهما بعد ذلك بـ “الخروج على ولي الأمر” من بين تهم أخرى”.

الإرهاب.. تهمةَ من لا تهمة له يُعرَّف الإرهاب بشكل يستطيع النظام القضائي عبره تجريم حتى ممارسة الحق في التعبير عن الرأي بحرية، حيث تجد في المادة 1 في قانون مكافحة الإرهاب وتمويله في آخر تحديث له، بعام 2017، بأنّ الإرهاب اعطي مساحة أكبر ليستخدم أكثر في ترهيب الحراك السلمي.

وتنص المادة 1 على أن الإرهاب هو “كل سلوك يقوم به الجاني تنفيذا لمشروع إجرامي فردي أو جماعي بشكل مباشر أو غير مباشر، يقصد به الإخلال بالنظام العام، أو زعزعة أمن المجتمع واستقرار الدولة، أو تعريض وحدتها الوطنية للخطر، أو تعطيل النظام الأساسي للحكم أو بعض أحكامه، أو إلحاق الضرر بأحد مرافق الدولة أو مواردها الطبيعية أو الاقتصادية،أو محاولة إرغام إحدى سلطاتها على القيام بعمل ما أو الامتناع عنه، أو التهديد بتنفيذ أعمال تؤدي إلى المقاصد المذكورة أو التحريض عليها”.

ويؤكد معنيون أنه على الرغم من ترويج السلطة لوجود هيئات مستقلة من شأنها ضمان حقوق الموقوف وعدم تعرضه لانتهاكات خارج القانون أو للتعذيب، مثل لجنة حقوق الإنسان والجمعية الوطنية لحقوق الإنسان، إلا أنّها جميعها هيئات ومؤسسات صورية لا أكثر، تعمل لتحسين صورة الدولة في الرأي العام العالمي دون تأثير حقيقي على الوضع الداخلي للسجناء. فمع الأسف نجد “الضحايا يكاد لا يسمح لهم نهائيا بالحصول على الانتصاف القانوني”، وذلك حسب التقرير الموازي لمؤسسة “الكرامة” في جنيف الذي قدمته للأمم المتحدة لحقوق الإنسان. ونجد العديد من الحالات التي تم توجيهها للجزائية المتخصصة حُكِمَت بناء على تهم مثل “توقيع عريضة” و”المشاركة في مظاهرات” أو “نشر ومد المذهب الشيعي” أو “تشويه سمعة المملكة” كما في حدث مع “مجموعة الكفاءات”، كما يسميها الأهالي، الذين أصدرت الجزائية المتخصصة أحكاما بالإعدام بحق 15 شخصا منهم وأرسلتها لرئاسة أمن الدولة في خطوة أكد العديد من النشطاء أنها مقلقة وقد تكون مؤشر لقرب التنفيذ. وفي قضية الناشط الحقوقي والمحامي وليد أبو الخير شملت قائمة التهم “الخروج عن ولي الأمر”، و”تشويه سمعة المملكة” و”إصدار بيانات ونشر وثائق” و”إهانة المحكمة” وسيكلفه ذلك 15 عاما من العمر بالإضافة لغرامة مالية.

وبالتأكيد تؤصد الأبواب امام الإعلام المحايد مما يجعل من الصعب الوصول لحقيقة ما يحدث أو السيطرة على الانتهاكات رغم وجود دلائل وتصريحات عن تعرض الموقوفين للتعذيب من أجل اقتلاع الاعترافات التي استخدمت فيما بعد كدليل معتبر ضدهم في المحكمة الجزائية المتخصصة، رغم تسجيل المدعى عليهم اعتراضات أمام القاضي المعين، من قبل وزارة الداخلية، حول الأمر.

وذلك يثبت أن السلطات السعودية استَخدمت “المحكمة (الجزائية المتخصصة) في محاكمة معارضين سلميين ونشطاء حقوقيين بموجب اتهامات لا تعتبر جرائم حقيقية في مداولات قضائية تخرق الحق في المحاكمة العادلة”، كما ذكر تقرير لمنظمة “هيومن رايتس ووتش”. مؤكداً أنه في القضايا التي تم توثيقها من قبل المنظمة، بوجود استثناءات قليلة، كانت المحاكمات في الجزائية المتخصصة “مؤصدة في وجه المراقبين وكثيراً ما حُرم المدعى عليهم من حق تعيين محامٍ من اختيارهم. اشتكى نشطاء حقوقيون وآخرون من أن المحكمة – في اعتقادهم – تعمل تحت تصرف وزارة الداخلية “.

الجزائية المتخصصة لـ.. الأحداث من اللافت أن رقعة انتهاكات المحكمة الجزائية المتخصصة واسعة جداً شملت حتى إصدار أحكاما قاسية بحق أطفال احتجزوا دون السن القانوني، 18 عام، وصلت شدتها للحكم بالإعدام بحق: داوود حسين المرهون وعبدالله حسن الزاهر وعلي محمد النمر، ومجتبى نادر السويكت والعديد.

وتتجلى الأساليب الانتقامية من خلال عدة مظاهر: كالتعذيب الذي رصده الأهالي على أجساد أبنائهم، وكقائمة التهم التي تضمنت لدى الغالبية “المشاركة في المظاهرات” و”ترديد الشعارات المناوئة” وحيازة أو حضور خطب الشهيد الشيخ نمر النمر، والأحكام القاسية التي لم تعير اهتماما لصغر سن المتهمين. وصلت التجاوزات لمثول أطفال أمام المحكمة الجزائية المتخصصة بالرياض دون أن يمكنوا من تعيين ممثل قانوني لهم أو محامي يقوم بالدفاع عنهم، كما حدث مع مصطفى أحمد الشيوخ الذي حكم بالسجن لمدة 15 سنة ومنع من السفر لمدة مماثلة بعد خروجه، ففي يوم واحد مَثَلَ الشيوخ أمام القاضي في المحكمة الجزائية المتخصصة وسُلِمَ لائحة التهم وطُلب منه الرد عليها وأُصِدر الحكم.

تعمدت الجزائية المتخصصة تجاهل اتفاقية حقوق الأطفال التي تكفل “ألا يعرض أي طفل للتعذيب أو لغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. ولا تفرض عقوبة الإعدام أو السجن مدي الحياة بسبب جرائم يرتكبها أشخاص تقل أعمارهم عن ثماني عشرة سنة دون وجود إمكانية للإفراج عنهم”، حيث تبقى الحياة أقوى من الموت، وتبقى البراءة أقوى من عنصر الاتهام في المواثيق الدولية.

وعلى صدى المناشدات التي أطلقتها الأمهات سعت العديد من المنظمات الحقوقية لإلغاء احكام الإعدام الصادرة بحق الأطفال بيدَ أن مساعيهم قوبلت بالتجاهل من قبل السلطات السعودية، ولا يزال أطفال الأمس وفتيان اليوم يواجهون خطر الإعدام المحدق في أي لحظة. ضحايا تسييس القضاء.. نشطاء، أطفالٌ ونساء واعتبر جيمس لينش، نائب مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة “العفو الدولية” أن “السلطات السعودية تستخدم مكافحة الإرهاب ستارا لتسوية حسابات سياسية”، في تعليق له عام 2015 على أحكام الإعدام التي صدرت بحق نشطاء شيعة كان من بينهم الشهيد الشيخ نمر النمر وعبد الله الزاهر وعلي محمد النمر وحسين المرهون.

كما تصدرت إسراء الغمغام الصحف العربية والعالمية كأول ناشطة سياسية تواجه عقوبة الإعدام في محاكم الجزائية المتخصصة بـ”السعودية” ونالت قضيتها ورفاقها الخمسة رواجا واسعا واستياء أمميا، ووجهت الأنظار لتردي المستوى الحقوقي في البلاد والسياسة القمعية التي تنهجها “السعودية” بصرامة ضد النشطاء.

المنظمة الأوربية السعودية لحقوق الإنسان نقلت في عدد من التقارير صور من قصور النظام القضائي “السعودي” المتبع في المحكمة الجزائية المتخصصة وانحيازه، وأشارت للثغرات القانونية التي تواجه الأحكام الصادرة عبره، ووفرت تحاليل ودراسات قانونية للعديد من الأحكام، بالإضافة لإحصائيات ومعلومات تدل على انحياز القضاء ومخالفته للأحكام الدولية والشرعية، لافتة لحرمان العديد من حق تعيين جهة دفاعية وعدم وجود جهة مستقلة للنظر في الشكاوى. من أعان ظالماً سلطه الله عليه حين تَغيب سلطة القانون ويصبح القرار بيد الملك وولي عهده وعلى أساس المصلحة الخاصة تكون النتيجة أن يجتمع القاضي والمتهم خلف القضبان بيد الجلاد ذاته، وقيام السلطات السعودية في عام 2017 بشن حملة اعتقالات طالت عدداً من قضاة المحكمة الجزائية المتخصصة المقربين من ولي العهد السابق محمد بن نايف هو خير دليل على ذلك.

هؤلاء القضاة كانوا قد شاركوا في إصدار أحكام إعدام بحق نشطاء سلميين وأطفال، ودفعوا ارواحهم ثمنا لكلمة الحق ونتيجة لغياب استقلالية القضاء وسيادة القانون في البلاد. ومن المقلق أن يكون مصير النشطاء والإصلاحيين في البلاد معلق بجرة قلم من قضاء مسيس، وعلى الأخص في الوقت الراهن مع وجود تسريبات تدل على نية السلطات السعودية القيام بتصفية المعارضين في الداخل وإعادة من بالخارج.

وحين يكون مصير الصحافي جمال خاشقجي التقطيع بطريقة وحشية في قنصلية “السعودية” بإسطنبول، فإن ذلك يطرح تساؤلات ملحة عن مآل وسلامة من بحوزة السلطات السعودية.

21 نوفمبر/تشرين الثاني 2018