انتفاضة شعبية كسرت حاجز الصمت، ارتسمت يوم الرابع عشر من فبراير 2011، واتخذت من “دوار اللؤلؤة” ساحة للصمود والثورة ورفع الصوت المطلبي، صوت لا يزال يصدح بأشكاله المتنوعة وبمختلف الميادين ليعبر عما يعيشه الشعب البحراني الرافض لأساليب الظلم والاستبداد والقمع الممارس من قبل النظام الواقع تحت هيمنة الراعي “السعودي”، راع يسعى للهيمنة والسيطرة على دول الجوار.

على مدى أعوام الثورة الثمانية، لم يهدأ نبض الحراك، رغم تحول أشكاله، بسبب القمع والاضطهاد والظلم الواقع على المواطنين والقادة ورموز المعارضة، وتحويل البلاد إلى سجن كبير.

وعلى الرغم من رفع منسوب الانتقام السلطوي برعاية غربية وغطاء من حلفاء النظام أميركيا وبريطانيا، غطاء يقف حجر عثرة أمام أي توافق أو حل، يبقى طموح المعارضة بالوصول إلى أهدافها قائم لا يعيقه أي مستوى من الانتهاكات المرتكبة.

صورة الحالة البحرينية ووضع المعارضة واستمرار ثورتها، كانت مضمون حوار خاص ل”مرآة الجزيرة” مع الحقوقي البحراني رئيس منظمة سلام للديموقراطية وحقوق الانسان والنائب البرلماني السابق جواد فيروز،،، مرآة الجزيرة – سناء إبراهيم “في ظل القمع المستمر وفرض القبضة البوليسية والانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها السلطة يومياً، إضافة إلى الدعم الدولي والإقليمي للسلطة الحاكمة في البحرين، من الصعب أن يكون الحراك اليوم كما كان عليه في عام 2011″، يقول فيروز، ويلفت إلى أنه “رغم الاستهداف المستمر والقضبة الحديدية، إلا أنه كلما تحينت الفرصة يعبر شعب البحرين عن رأيه ورفضه لما يجري من بطش وقمع، وهو يسعى ليوصل صوته للعالم وتمسكه بمطالبه، حيث أنه دائما سواء بالوسائل الإعلامية التي يمكن للشعب والنشطاء سواء في الداخل أو الخارج أن يبرزوا توجهاتهم وآرائهم، أو من خلال التحرك الميداني وإن كان محدوداً في ظل القمع والبطش، أو من خلال العمل الحقوقي المستمر من رصد وتوثيق في الداخل أو التواصل مع المجتمع الدولي في الخارج كذلك الحراك السياسي في مختلف الأصعدة”.

 ويؤكد أن نعتقد بأن الاستمرارية بالتمسك بالمطالب والعزيمة في التمسك بالحراك في الظروف الراهنة وعدم التراجع وعدم الاستسلام، والصورة المنعكسة عن الواقع لخير دليل بعد 8 سنوات أن شعب البحرين حاضراً متمسكاً بمطالبه ومستمراً في مختلف أساليبه لكي يحقق مطالبه.

يرى الحقوقي البحريني أنه في ظل الوضعية الجغرافية ومكونات المجتمع البحريني، فأفضل حراك للشعب البحرين هو الحراك السلمي، مقراً بأن “الحراك السلمي سوف يؤدي إلى دفع أثمان باهظة، كثير من التضحيات والحل طويل الأمد، ولكن بالطبع الحل البديل سوف يكون مدمر للوطن، ولا يكون هناك أي منتصر”، ويتابع “عندما نقيم ما آلت إليه الأوضاع في سورية أو العراق في الفترة الماضية أو البلدان الأخرى التي تبنت بعض المجاميع المختلفة أساليب العنف في الصراع السياسي، نجد أن كل ذلك أدى إلى ضخامة الأوضاع من حيث زيادة عدد الضحايا وإراقة الدماء وتدمير الوطن، ومن ثم لم يتم تحقيق كثير من النتائج الملموسة، ولازلنا على قناعة أن الحراك الأفضل البحرين أن يكون الحراك سلمياً”.

 هذا، ويعتبر فيروز أنه من غير الصحيح توصيف الحراك بأنه تحول من سياسي إلى حقوقي، مبيناً أن “هناك حراك حقوقي نشط، في الخارج تحديدا بالتواصل مع بعض النشطاء في الداخل، ولكن في ظل القبضة الأمنية الشرسة وعدم السماح لحرية التعبير والقمع ومنع التظاهر وإسكات الصوت الحر ومنع التعبير بالكلمة ولا من خلال مختلف الأساليب السياسية في الداخل، طبيعي نجد أن ما هو متاح نسبيا في الداخل يمكن أن يكون هناك مجال المطالبات الحقوقية، وكل ما سمحت الفرصة للناس بأن يعبروا عن آرائهم وأن يجدوا أن هذا الأمر متلمس طبيعي في دولة مثل البحرين تنتهج نهجا العزل السياسي التام من خلال اعتقال كل رموز المعارضة وحل الجمعيات السياسية وفرض شبه حصار على النشطاء السياسيين”، ويؤكد أنه لا يمكن التعويل في ظل الأوضاع القاتمة على النشطاء السياسيين وأن يكون الحراك السياسي في نفس القوة والهبة الجماهيرية، ولكن بالطبع هناك نشاط سياسي نشط في الخارج، المعارضة في مختلف الفئات لديهم نشاط سواء مع الهيئات الدولية والفعاليات السياسية المختلفة، غير أن الحراك الحقوقي متقدم نسبيا بحكم أن نسبة التلاقي مع الهيئات الحقوقية في دول العالم وإفساح المجال أمام الحقوقيين يكون أكثر بكثير من الحراك السياسي.

 البحرين ذاهب إلى تحقيق الإرادة الشعبية عاجلاً أو آجلاً الصورة القاتمة من القمع والأحكام التعسفية وإسقاط الجنسية واعتقال الرموز، فهي تؤكد أن هناك معارضة شديدة وهناك عدم استسلام وقمع شديد من السلطة وهناك شعب مستمر في نضاله وإن قدم الضحايا وإن كان هناك انتهاكات جسيمة وإن أدى الأمر لأن ينتقل عدد من النشطاء إلى الخارج وحتى أن أدى إلى إسقاط جنسيات المواطنين، يقول فيروز، ويضيف “بالطبع هذا الأمر في اعتقادي في حركة الشعوب المطالبة بالحريات العامة وحق تقرير المصير الشعوب التي تريد أن تكون سيدة نفسها قدمت هذا النوع من التضحيات أن كان عبر التاريخ المعاصر أو الماضي، هذه سنّة من سنن الحياة أن الشعوب تصل إلى مبتغاه للاستقلال وتقرير المصير وتحقيق الحرية والكرامة والعزة”.

 ويصف الواقع في البحرين ومنطقة الخليج بأنه “أمر شاذ ونادر، بأن نجد حكومات هكذا، بصلاحيات تامة تقمع شعبها وتسيطر على كل المقدرات الاقتصادية والسياسة والاجتماعية وهذا الواقع الشاذ لن يستمر لذلك البحرين ذاهب إلى تحقيق الإرادة الشعبية عاجلاً أو آجلاً، وسوف يتم تحقيق الأمن والاستقرار عندما يتم تحقيق مطالب الشعب وصولاً إلى الدولة المدنية الديمقراطية التي فيها الإرادة الشعبية سائدة”.

أما ما يتعلق بالصمت الدولي حيال الأحكام القضائية المسيسة، يلفت فيروز إلى أن كل التقارير الدولية سواء كانت سياسية أو حقوقية أو إعلامية تحمل الإدانات وقد ظهرت في قضية الشيخ علي سلمان، مشيرا إلى أن هناك إدانات واسعة للحكم في البحرين بما تمارسه السلطة من اضطهاد واعتقال وسجن رموز المعارضة بينهم الشيخ علي سلمان، ويستدرك بالقول “هناك مفارقة بين القول والفعل نجد هناك إدانات واسعة ولكن على أرض الواقع لا نجد ضغطا فعليا ملموسا، مع الأسف المجتمع الحقوقي على سبيل المثال مستمر في انتقاداته واستنكاره الدائمين، لكنه لا يملك كثير من القنوات الملموسة، بحيث يستطيع أن يفرض تغييرا في المسار السياسي وأن يملك الأدوات الضاغطة والمسؤولية الملموسة”.

 يعبر فيروز عن أسفه لبعد المجتمع الدولي السياسي عن القيم والمبادئ والقضايا الديمقراطية في إطار الإصلاح السياسي للدول وهي بكثير من الأحيان تراعي مصالحها الذاتية، وهناك حالة من الازدواجية بين ما تتبناه هي في العلاقات الداخلية من التداول السلمي للسلطة، والتمسك بالقيم والمبادئ الديمقراطية، من ثم رأي المواطن في كل سياساتها الداخلية، وهناك حكومات ومعارضة والتوجه إلى صناديق الاقتراع لحسم المواضيع الخلافية، ولكن خارجيا، هناك تناقض كبير بين هذه الأساليب وبين الأسلوب في دعم دول استبدادية التي تملك الحكم المطلق في سيطرتها على مقدرات الوطن والشعب، وتحديدا البحرين كنموذج، ويقول “انتقادنا واضح وجلي ومستمر إلى حلفاء البحرين تحديدا المملكة المتحدة والولايات المتحدة بأن هناك ازدواجية في السياسات ونعتقد أن الدعم والسياسة الخارجية لن يؤدي إلى تحقيق مصالحها في المنطقة وسوف يؤدي هذا الدعم لمزيد من القمع وعدم الاستقرار والضرر في مصداقيتها الدولية”.

 الدعم البريطاني والأميركي يغطي قمع النظام البحريني الدعم الغربي للأنظمة الاستبدادية يتواصل مع الصمت الممارس من الأمم المتحدة أيضاً، يشدد فيروز على أن الأمم المتحدة وأجهزتها محكومة بالرغبة السياسية للدول المتحكمة بالأمم المتحدة، لافتا إلى أن “هناك أدوات كثيرة يمكن أن تمارسها في فرض الإصلاح السياسي الجذري في البحرين، يمكن أن ترسل لجنة تقصي الحقائق للبحربن وتلتقي مع الناس ومن ثم تقوم بتحقيق شامل عما جرى مع الناس من انتهاكات ومن ثم البحث مع كل الأطراف للوصول إلى توافق سياسي، ويمكن لها أن تتبنى مؤتمرا دوليا عن البحرين وتشارك كل الأطراف المعنية بالقضية تحت سقف دولي، كما يمكنها أن تواصل علاقاتها مع الدول المؤثرة في الشأن البحريني وتخصص جلسة في الجمعية العامة للأمم المتحدة لكي يناقش الوضع في البحرين”، ويقول “لكن للأسف كل العمل الجوهري في الأمم المتحدة مرهون بقرارات وموافقة الدول الأعضاء ولأن الدول الأعضاء المؤثرين في المنظومة الدولية أغلبها دول حليفة للبحرين، فهم يبتكرون معوقات كثيرة لتحقيق الأفكار والممارسات الضاغطة والعملية”.

 إلى ذلك، يتناول فيروز الانتهاكات العسكرية الممارسة من قبل أجهزة سعودية، وينتقد استعمال القوات العسكرية في الدول الخليجية وخصوصا “درع الجزيرة ” من أجل قمع المواطنين ومحاولة إسكاتهم ومساندة النظام الحاكم وإن كان مستبدا وطاغيا وقامعا لشعبه، لافتاً إلى أن القوات العسكرية هي للدفاع عن الأنظمة وليست للدفاع عن الأوطان، والأنظمة الخليجية القائمة هي محمية من قبل العسكر، مشيراً إلى أن هذا الأسلوب خاطئ ويجب أن تستخدم الثروة الوطنية في خدمة استقلال الوطن وحماية المواطن والدفاع عن حقوق المواطن ودرء أي خطر خارجي أو تدخل عسكري، حيث أن “القوات هذه سواء كانت أمنية أو عسكرية كلها تستخدم لقمع الحريات العامة وموجهة إلى الداخل أكثر منها للخارج، وهذا الأسلوب سوف لن يؤدي إلى الأمن والاستقرار بل لمزيد من الأزمة والاضطرابات”.

سياسة النظام السعودي قائمة على بسط النفوذ والتمدد والسيطرة على دول الجوار من أجل خلق امبراطوريات لها، ولدى الرياض أطماع كثيرة كانت ولازالت موجودة، وما نشاهده في الحرب على اليمن يأتي ضمن هذه السياسة، وكذلك الخلاف الباطن والذي ظهر مؤخراً مع الكويت، إضافة إلى الكثير من التباينات مع الدول الخليجية، هذه الصورة للرياض، تمتد بشكل أكبر وأوضح في المنامة، إذ يرى النائب البحريني السابق أن “الوضع البحريني هناك هيمنة وسيطرة سعودية تامة، سابقا كانت في إطار العلاقات الخارجية ولكن الآن أصبحت السعودية مهيمنة حتى على السياسات الداخلية، وقد فرط النظام البحريني بالسيادة وسمح للدور السعودي الوجود في كل القضايا سواء داخلية أو خارجية؛ ويشدد على أن “الدعم السعودي أدى لمزيد من الأزمات وتعميقها وكثرتها وقيادتها ومع الدعم السياسي والعسكري زاد تعميق مختلف الأزمات ولم يؤدي إلى حلحلتها”.

 أما عن الدعم الغربي، يوضح جواد فيروز أن “الدور الأوروبي وثقله السياسي على مستوى البحرين ضعيف جداً، ولو أنه يرغب بأن يكون له دور ومصالح السياسية في البحرين، فيما يتواصل الدعم البريطاني والأميركي للنظام”.

 ويختتم فيروز حديثه، بالتأكيد على أن المعارضة هي المنتصرة ولو بعد حين، والتاريخ يثبت هذا الأمر، فالسلطة مجبرة في النهاية عاجلا أم آجلا أن تذهب إلى الحوار وتتواصل مع قيادات المعارضة وتبحث معهم أمور البلاد، مشيراً إلى أن النظام سلك خط الحوار سابقاً ولو بشكل جزئي.

 ويؤكد أن “الوضع المضطرب لن يستمر إلى الأبد وسوف تضطر السلطة للتواصل مع المعارضة سواء الموجودة في السجن أو الخارج وتبحث الحلول معها، والحوار الجاد والمؤدي إلى التوافق السياسي التام هو الحل الأمثل للوصول إلى المطالب الشعبية وأي نوع من الحراك العنفي سوف يعقد الوضع أكثر”.

19/2/2019