لدى كل منا ذاك الشخص الذي يرتبط به مباشرة على نحو وثيق. شخص تعرف أنه سيكون على الدوام جزءاً من حياتك. شخص يمكنك التحدث إليه دون تكليف، حتى لو كانت قد مرت أشهر، أو حتى سنوات، على آخر اللقاءات بينكما. بالنسبة لي، هذا الشخص هو إيمان النفجان. فهي شخص أعتز به، ويلهمني، ويجعلني أضحك.

التقينا في 2010 عندما كنت أعيش في المملكة العربية السعودية. عرّفتني إيمان على الثقافة والمطبخ السعوديين، وعلمتني عبارات عربية مفيدة. جالت بي في أسواق الرياض السحرية.

وقضينا ساعات نناقش الحياة بجميع أوجهها. كانت، في ذلك الوقت، تعمل مدرسة للغة الإنجليزية في إحدى الجامعات، بينما كانت تعد لنيل شهادة الدكتوراة في اللغويات. ومنذ 2010، أصبح التقليد المتبع لدينا الالتقاء مرة واحدة في السنة للتمتع بمشاهدة أماكن جديدة، وزيارة المتاحف وتعويض ما فات. نستيقظ كلانا في وقت مبكر، إلا أن إيمان تستيقظ في وقت أبكر من معظم الناس.  وحتى في أيام العطل، كنت كثيراً ما أجدها جالسة بجانب طاولة، في ساعات الصباح الباكر، وبيدها فنجان من القهوة المركزة، وفي الأخرى إحدى الصحف.  

في مايو/أيار الماضي، اعتقلت السلطات السعودية إيمان مع لجين الهذلول وعزيزة اليوسف وأربع ناشطات أخريات في مجال حقوق المرأة بسبب أنشطتهن من أجل تعزيز الحقوق الاجتماعية.

إيمان ذات عقل منفتح وتحب تخطي الحدود مهما كانت المخاطر. وحتى عندما تختلف مع أحدهم، يسهل التحدث إليها بانفتاح دائماً. فهي باحثة متعطشة دائماً للمعرفة والثقافة. أم لأربعة أطفال، أكبرهم سناً مراهق، وأصغرهم ما برح يتعلم المشي. أم محبة تعطي الاعتبار الأول لأطفالها. ترعاهم وتقلق من أجل سعادتهم مثل كل الأمهات. تريدهم أن يروا العالم وثقافاته. وتعلِّمهم بأن يكون أشخاصاً طيبين وعطوفين. لقد ظلت على الدوام مصدر نصح وإلهام لي، وأنا أرعى أطفالي.

ذات يوم، قرأت كتاب صورٍ لطفلي الصغير وارتجلت قصة عن أهمية مشاركة الآخرين حياتهم. هذه هي إيمان وما تمثل: العدالة واللطف والمحبة. وإيمان لا تحب الابتعاد عن أطفالها، وخاصة عندما يكونون في سنواتهم الأولى. ولهذا فإن القبض عليها يفطر القلب. مثير للحزن أن تعرف أنها انتزعت بالقوة من بين أطفالها منذ سبعة أشهر، وفاتتها مناسبات مهمة عديدة في حياة كل منهم.

ولكن على الرغم من اهتمامها بأطفالها، كرّست إيمان الكثير من وقتها وطاقتها لقضايا أكبر من نفسها، ومن أجل تعزيز الحقوق الاجتماعية. فبدأت، في 2008، بنشر مدونة بعنوان Saudiwoman.me ، قبل سنتين من التقائنا. كانت هذه منصتها لبث آرائها بشأن المجتمع. وكما كتبت إيمان، فهي فخورة بالمملكة العربية السعودية وبتاريخها وإنجازتها. ولم يكن هدفها سوى تصحيح سوء الفهم للمجتمع السعودي والتحدث عنه. وهي امرأة قوية تملك قلماً لاذعاً، سرعان ما لفت إليها أنظار وسائل الإعلام الدولية، بما فيها الغارديان وفورين بوليسي ونيويورك تايمز وسواها، وجعلها تسعى إلى سبر آرائها.

أكتب هذا لأنني أريد للعالم أن يعرف من هي إيمان النفجان. الروح الطيبة الجميلة الحبيسة ظلماً وراء القضبان. فخطورة المزاعم الكاذبة المنسوبة إليها، والحملة الإعلامية الموجهة ضدها تبعثان على القلق. ولا يمكن للحملات السلمية وحرية التعبير أن تكونا في يوم من الأيام جريمة.

 ومما يثير القلق أكثر، ما يرد من أنباء عن تعرضها للتعذيب وعن الظروف التي ترزح فيها العديد من الناشطات في مجال حقوق المرأة في المملكة العربية السعودية اليوم. فحياة هؤلاء الناشطات في خطر. وتساورني بواعث قلق جدية بشأن صحة إيمان. أفكر فيها كل يوم. خاصة في المساء، عندما أقبّل أطفالي لأتمنى لهم ليلة سعيدة، بينما أعرف أن إيمان تفتقد قبلات أطفالها.

 يا إيمان، العالم لم ينسك. ربما تم إسكات صوتك، ولكننا سوف نواصل رفع الصوت من أجلك حتى تعودي إلى الحرية، وحتى تضمي أطفالك إلى صدرك من جديد.

كتبت ت. ك. (الاسم الكامل لم يصلنا)، هذا المقال التضامني في سياق حملة الفرع النرويجي لمنظمة العفو الدولية من أجل إطلاق سراح النساء السعوديات السجينات منذ مايو/أيار 2018.

 واليوم، يعقد البرلمان الأوروبي جلسة نقاش عاجلة بشأن الأوضاع التي تواجهها المدافعات عن الحقوق الإنسانية للمرأة في المملكة العربية السعودية.

 وقد حثت منظمة العفو الدولية الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على التوقف عن صمتها بشأن الانتهاكات الممنهجة التي ترتكبها المملكة العربية السعودية، وعلى المطالبة بالإفراج فوراً عن هؤلاء المدافعات عن حقوق المرأة الشجاعات. ويمكن الاطلاع على المزيد من المعلومات بشأن قضية إيمان من الموقع الإلكتروني التالي:

https://www.amnesty.org/ar/latest/campaigns/2018/06/saudi-arabia-release-women-human-rights-defenders/

23 فبراير/كانون الثاني 2019