لا تنفك صور التعذيب وسحق الكرامة الانسانية للسجناء القابعين خلف قضبان السجون السعودية، تتسلل إلى الخارج يوماً بعد آخر. صورة أقل ما يقال فيها أنها أسوأ وأوحش تقاليد الظلم والانتهاك والاضطهاد المُمارس بحق المعارضين وأصحاب الرأي ومناصريهم من النساء والأطفال والشبان، إنه العقاب الشيطاني للأنظمة الديكتاتورية ضد الانسان الحر الذي يمكن أن يكون جرمه الأكبر أنه يعيش تحت وطأة نظام مستبد، تتفرع أجهزة حكمه بين عناصر أمن تفوح منهم روائح القمع والبطش بالضحايا، مروراً بهيكل قضائي يعتمد نظام ترهيب وعسكرة تنفذ أوامر سياسية تقوم على تكميم أفواه الضحايا وتسهيل عمليات القتل والتعزير والتعذيب باسم القانون!

خاص في مراحل متلاحقة تتكشف حكايات المعتقلين في سجون “مملكة الصمت والاضطهاد”. حكايات تطوي بين أحرفها مراحل الظلم الواقع على أجساد المكافحين ضد الظلم والتمييز والمطالبين بالحقوق والعدالة من أبناء “القطيف والأحساء”، ظلم لم يفرق بين صغير وكبير، وبين طفل وكهل، ورجل وامرأة، فكل مَنْ يرفض الذل والظلم والهوان سواء أمام “أنياب” النظام السعودي.

تحت جُنح الظلام تمارس عناصر المباحث أبشع صنوف البطش وأقسى ألوان الترهيب والتعذيب، لإجبار أبناء القطيف والأحساء على الإقرار بروايات ملفقة عن أحداث تختلقها السلطة لتبرير سياسة العنف والاضطهاد التي تمارسها ضد أبناء المنطقة، الذين يرزحون تحت تهديد دائم لسطوة أجهزة الأمن والاستخبارات ونهج التنكيل المُرعب، وبصورة وحشية وهمجية من المعاملة اللاإنسانية وفي استهتار صريح بكل قيم الأديان والشرائع السماوية ومبادئ ومواثيق حقوق الإنسان المخطوطة والممهورة بتوقيع السلطات، تبرز تفاصيل من حكاية المعتقل القابع خلف قضبان السجون، الفتى جواد محمد عباس العقيلي.

1738 يوماً، تمر على اعتقال العقيلي بتهم ملفقة لم يثبت منها شيء سوى أقوال المحققين وسياط المعذبين. أيام قاربت أعدادها السنون الخمس التي تبعد الفتى عن أهله من دون ذنب اقترفه، إلا أنه يعيش تحت سطوة السلطة وسياط تعذيبها وتنكيلها، لإثبات جرم هو ليس بجرم!. اختطف العقيلي من على مقاعد الدراسة في الصف الثاني المتوسط وهو يدرج إلى عامه السادس عشر، وابتعلته غياهب سجون النظام السعودي، لينضم إلى قائمة الضحايا مجهولي المصير.. لشهور متوالية انقطعت أخبار العُقيلي، وكمئات المعتقلين السياسيين، يُعذّب العقيلي الطفل بطريقة وحشية على أيدي السجان، يتلوّى جسده تحت لسعات السياط التي تفتق الجلد وتسيل دماء الجسد النحيل لترسم نزيفاً مستمراً، انعكس في سلسلة أمراض مستعصية، وقرر السجان أن يحرم العقيلي من العلاج، لتتحول تلك الأمراض إلى داء عضال، انه السرطان!.

قبل أيام قليلة وصلت وثيقة سرية إلى بريد “مرآة الجزيرة”، تكشف عن الحالة الصحية المتدهورة للعقيلي الذي سيُكمل ربيعه الواحد والعشرين (16يونيو 1998) بعد أن أمضى من عمره 5 سنوات بين زنازين السجون منذ كان في السادسة عشرة من عمره، تعرّض خلالها لأبشع صنوف التعذيب والتنكيل الممنهج الذي بات سمة لسجون النظام الحاكم في الرياض.

وتبين الوثيقة أن العقيلي اليوم، يعاني من مرض السرطان الذي أصيب به بعد اعتقاله، وقد بات عاجزاً عن قضاء حاجاته اليومية دون مساعدة، حيث يتناوب زملاؤه في السجن على قضاء احتياجاته ومساندته في محنته.. ولا يزال الفتي العقيلي محروماً من العلاج ما يزيد القلق على حياته والخوف من تدهور صحته في ظل غياب متواصل للرعاية الطبية المكفولة للسجناء بموجب الشرع والقانون ومواثيق حقوق الانسان.

الوثيقة تسرد سيناريو المعاناة التي يعيشها العقيلي، حيث أنه منذ اعتقاله في الخامس من يونيو 2014م، أي حينما كان قاصراً، تم سجنه أولاً في “دار الرعاية” بحكم صغر سنه، وتؤكد التقارير الحقوقية أن سجون دور الرعاية في “السعودية” لا تختلف عن زنازين المباحث سوى بالمسمى، فمناهجها في التعذيب والتنكيل وسوء المعاملة لا تختلف عن سجون المباحث سيئة الصيت، ثم زُج به خلف قضبان الزنازين المعتمة في سجن المباحث العامة، وهناك تم زيادة جرعات التعذيب والتنكيل الذي ازداد وحشية واشتدت وطأته..

السرطان يأكل جسد العقيلي.. والسجانون يمنعون العلاج فصول من التعذيب وقعت على جسد العقيلي ورسمت على بدنه أشكالاً شتى من الآثار التي لن تندثر، فقد تناوب على وجبات تعذيبه سجانون لا يعرفون معنى الانسانية، تفننوا في إرعاب وإرهاب الفتى الصغير، وإذلاله بألفاظهم وشتائمهم النتنة، وتسابقوا في التنكيل به وترك علامات إجرامهم على جسده الطري.

وتنقل الوثيقة أن العقيلي تعرّض لوجبات غير معدودة من الصعق الكهربائي لإجباره على التوقيع على اعترافات مكتوبة بأيدي المحققين، وقد تم صعقه بالكهرباء بكل نقطة من جسده، وكانت صرخات آلامه وهو يتلوّى تخترق الجدران لتصل إلى السجناء حتى أولئك القابعين في الزنازين الإنفرادية. وجبات التعذيب غير الموصوفة والتي تفوق ما حدث في سجن “غوانتاناموا”، بحسب وصف كاتب الوثيقة -تحتفظ “مرآة الجزيرة” بنسخة منها-، تمظهرت على جسد الفتى الذي كان طالباً في المرحلة المتوسطة حين اعتقاله، فأصيب بمرض السرطان، وحرم من العلاج، مبينة أن التعذيب الجسدي والنفسي لم يتوقف إلا في مرحلة متأخرة بعد أن وقع العقيلي على الاتهامات الملفقة ضده!

تقول الوثيقة أن تعذيب جواد العقيلي تخطى مرحلة استهداف انتزاع الاعترافات، إلى قصد القتل البطيء عبر إصابته بالأمراض وحرمانه من العلاج، فهو الآن يعاني من “احتباس البول، ولا يسمح له لفترات طويلة من دخول المرحاض، ما فاقم وضعه الصحي قسوة وأسى وأوجاعاً، ولشدة التعذيب الذي تعرض له بات العقيلي عاجزاً عن تناول طعامه بيده، بسبب إصابته بحالة ارتجاف مستمرة في يديه إثر التعذيب الذي قطع أوتاراً من يديه وحرمته القدرة على إمساك الملعقة أو تناول طعامه بطريقة طبيعية، الأمر الذي دفع زملائه السجناء لإطعامه بالتناوب فيما بينهم. ونتيجة للصفعات المستمرة التي تلقاها العقيلي من قبضات المحققين على وجهه والتي تركزت على استهداف عينيه حتى أدمتها، تسببت في إصابته بضعف البصر ما جعله في حاجة ماسّة لاستخدام النظارة الطبية، والتي لم توفرها له إدارة السجن إلا قبل نحو شهر من كتابة هذا التقرير.

بعد جلسات التحقيق واستخدام المحققين أقسى أساليب التنكيل بالفتى الذي لم يبلغ الحلم وترهيبه وبثّ الرعب في قلبه، أجبره الضباط المحققون على توقيع محضر اعترافات يحوي روايات متنوعة لإدانته وإسقاط أشد أنواع العقوبات عليه، وهو ما حدث فعلاً، إذ استند القضاة في محاكمته على أقوال منتزعة تحت التعذيب ولم يكترثوا بالحالة الصحية التي كان يعيشها العقيلي ولا بآثار التعذيب والجروح والهزال الظاهر على جسده الصغير جرّاء ما تعرض له في الزنازين.. وفي حين طالبت النيابة العامة بإنزال الحد الأعلى من العقوبة وتنفيذ حكم القتل تعزيراً بالفتى جواد العقيلي لا لجرم ارتكبه إلا أنه خرج في التظاهرات المطلبية التي شهدتها المنطقة في العام 2011م، وما أعقبها من تحركات سلمية، وقد قضت المحكمة بسجنه 21 سنة، ما يكشف عن حقيقة بنية الجسم القضائي الخاضع لإملاءات الجهاز الأمني وتعليمات السلطات السياسية في النظام السعودي.

وتشدد الوثيقة على أن الفتى العقيلي اليوم بحاجة ماسّة إلى العلاج بسبب تدهور وضعه الصحي بشكل مأساوي بسبب استمرار حرمانه من العلاج الطبي اللازم ما يثير المخاوف على حياته، كما تشير أيضا إلى أن الصحة النفسية للعقيلي يمكن أن تُوصف بأنها مُدَمّرة، مع الآلام العضوية، فإنه منذ وفاة والده بعد اعتقاله بثلاثة أشهر ومنعه من الخروج للمشاركة في العزاء على الرغم من أنه حق مكفول في قوانين النظام السعودي، فإن الفتى يعيش وضعاً نفسيا قاتماً يولّد الخشية على مصيره خلف زنازين السجون السعودية.

13 مارس/آذار 2019