من الواضح الآن أن (مبدأ) زيادة تسعيرة المياه لم يكن هو سبب استياء المواطنين، بقدر ما يعود السبب إلى (آلية) الزيادة؛ أي التخفيض الشديد على (حجم) شرائح الاستهلاك، والمضاعفات المبالغة فيها على (سعر) المتر المكعب، خصوصا في غياب أي منافس لشركة المياه؛ فلم يحدث قط أن أقدمت أي شركة (سواء في المملكة أو غيرها) على رفع سعر سلعة (أساسية) كالماء، بنسبة 1000% دفعة واحدة!، وهي نسبة الزيادة بين سعر المتر المكعب في الشريحة الأولى والبالغ 10 هللات، وبين سعره في الشريحة الثانية؛ الذي قفز (فجأة) ليصبح 100 هللة! أما إذا انتقلنا للشريحة الثالثة فإن السعر يحلق عاليا ليبلغ 300 هللة؛ أي بزيادة نسبتها 3000% قياسا بسعر الشريحة الأولى، ثم يقفز بعدها إلى 400 هللة في الشريحة الرابعة وبنسبة زيادة (ضخمة) تبلغ 4000%، ليصل بعد ذلك إلى 600 هللة في الشريحة الخامسة والأخيرة، بارتفاع (هائل) نسبته 6000% وهي زيادة لم نسمع بمثلها قط على تعرفة الخدمات العامة في التاريخ! وهذا ما يفسر سر الارتفاع الضخم المفاجئ على مبالغ فواتير المياه من بضعة عشرات إلى آلاف الريالات.ومن الملاحظات الرئيسية على تعرفة المياه الجديدة ترديد وزارة المياه والكهرباء مقولة غير صحيحة، ربما استهدفت بها امتصاص التذمر الشعبي وتمرير الزيادة الهائلة، وإقناع متخذ القرار بمحدودية تأثير التسعيرة الجديدة على غالبية الناس، حيث تؤكد الوزارة في موقعها الإلكتروني وكذلك على لسان وزيرها أن 52% من المشتركين لن يدفعوا أكثر من ريال واحد يوميا؛ أي 30 ريالا في الشهر! وهو قول يفتقر للدقة، لأن ذلك (المشترك) لا يعيش وحيدا! فغالبا هو صاحب أسرة متوسط عدد أفرادها 6 أشخاص، وقد يزيد عددها على ذلك، هذا دون احتساب العمالة المنزلية من سائقين وخدم، وهو ما يرفع عدد الأفراد إلى ثمانية، يستهلك كل منهم حوالى 8 أمتار مكعبة شهريا (8000 لتر)، أي بمعدل 250 لترا يوميا.وبحسبة بسيطة فإن حجم استهلاك ذلك (المشترك) سيبلغ 64 مترا مكعبا (ناتج ضرب 8 في 8)؛ وهو ما سيضعه في الشريحة الخامسة التي يبلغ سعر المتر فيها 600 هللة، وبذلك فإن مجموع ما سيدفعه ذلك (المشترك) لـ8 أفراد من المعالين والمكفولين مقابل استهلاكهم من الماء، سيتجاوز بكثير الـ30 ريالا في الشهر التي يؤكدها معالي الوزير! وتنفيها الفواتير الجديدة! وهنا تكمن معاناة المواطنين.من جانب آخر، ندرك جميعا أننا مسرفون في المياه، وأنه يتعين علينا دعم جهود الدولة للحد من الهدر، بقدر إدراكنا للأيادي البيضاء للدولة، وأنها مشكورة قدمت ولاتزال تقدم الكثير للمواطنين؛ ليس فقط بتوفيرها المياه بأقل من تكلفتها، وإنما أيضا بتوفير سلع وخدمات رئيسية أخرى دون سعرها الفعلي، ومع ذلك فإن المواطنين خصوصا ذوي الدخل المحدود وفيهم المتقاعدون والأرامل والأيتام والمطلقات والمعاقون المعتمدون على الضمان الاجتماعي، كل أولئك يأملون ما يلي:أولا: إعادة النظر في تعرفة شرائح المياه (من الثانية للخامسة).ثانيا: وقف التجاوزات المترتبة على أخطاء الفوترة التي زادت الوضع بلة.ثالثا: إلزام شركة المياه بإصلاح التسريبات في خزانات المواطنين بسعر رمزي.رابعا: إطلاق مبادرة تدعمها الحكومة لتأسيس شركة مياه جديدة (وطنية فعلا لا بالاسم فقط!)، تتفهم حاجات المجتمع، وتكسر الاحتكار، وتستخدم تقنيات غير متقادمة في إنتاج وتسويق المياه المحلاة. كما تجدر الإشارة إلى أن المياه ليست كـ(خدمات الاتصالات) التي تحب وزارة المياه مقارنتها بها لتبرير الزيادة الجديدة! وإنما الماء ضرورة حياتية؛ لا تتوقف استخداماتها عند إعداد الطعام وتنظيف الثياب والمنازل، بل نحتاجها قبل ذلك للشرب وللقيام بالشروط اللازمة لأداء فروضنا الدينية وأولها الصلاة التي لا تصح إلا بالوضوء أو الاغتسال بـ(الماء). لكل ما تقدم، آمل قيام جهة الاختصاص بالنظر في المقترحات التالية التي من شأن الأخذ بها أو ببعضها المساعدة على تخفيف الاحتقان الحالي بسبب تسعيرة المياه، وتشمل:1- إعادة (حجم) الشريحة الأولى (للاستهلاك السكني) كما كانت قبل التعديل لتصبح 50 مترا مكعبا، عوضا عن الـ15 مترا الحالية.2- تخفيض سعر الشريحة الثانية من 100 هللة إلى 50 هللة للمتر المكعب؛ وهي زيادة ليست طفيفة حيث تبلغ نسبتها 500%، ولكنها تظل أقل بواقع النصف من السعر الحالي، مع إعادة مقدار هذه الشريحة لتصبح 25 مترا مكعبا، وبذلك فإن مجموع الحجم (المقترح) للشريحتين الأولى والثانية هو 75 مترا مكعبا، سيغطي متوسط استهلاك الأسرة السعودية التقليدية (ذات الثمانية أفراد) بتكلفة معقولة؛ لا تضر بالمواطن ولكنها في الوقت ذاته تضمن زيادة إيرادات شركة المياه بشكل معقول.3- تعديل أسعار الشرائح الثلاث التالية ليصبح سعر كل واحدة منها ضعف الشريحة السابقة لها، مع إبقاء مقدارها كما هو حاليا بواقع 15 مترا مكعبا.ختاما، غني عن القول إن تحقيق التصورات السابقة سيؤكد ما تدعيه (الوزارة) بأن هدفها من زيادة الأسعار هو الترشيد وليس زيادة الإيرادات! علما بأن رفع الإيرادات هو هدف مطلوب ومشروع، ولا يستلزم أن تلتف الوزارة حوله بعبارات منمقة ولكنها غير واقعية وتنقصها المصداقية. تبقى الإشارة إلى أن المستهلكين أصبحوا أكثر وعيا، ولا سيما وهم يعانون من تزامن عدة زيادات في وقت واحد، ورغم كل ذلك فإنهم لن يتوانوا عن دعم بلادنا، والوقوف مع سياساتها وتأييد مواقفها في الضراء قبل السراء، كما أنهم مستعدون للذود عنها بأرواحهم وأبنائهم لو نادى المنادي، لذلك فإن المطالبة بإعادة النظر في سعر المياه هي مطلب موضوعي؛ يندرج تحت باب (العشم) وحسن الظن في حكومتنا الرشيدة.

 

بقلم : غسان بادكوك