تكاد تجمع الآراء الحرة العاملة في المجالات الحقوقية والقانونية والإعلامية على الأزمة الحقيقية التي تعاني منها المملكة السعودية على صعيد الحريات وحقوق الإنسان الخاصة والعامة، ومن تجليات هذا الواقع الصعب هو ما يعانيه نشطاء الرأي في المملكة من تضييق أو ملاحقة وتنكيل تصل في كثير الأحيان لحد وضع حد لحياة الإنسان أو سجنه ناهيك عن التعذيب الذي يتعرض له وانتهاك حقوقه في مختلف مراحل الاعتقال أو التحقيق أو المحاكمة، ومن صور معاناة النشطاء وانتهاك حقوقهم هو محاولة تشويه صورتهم عبر وصفهم بالإرهاب ومعاملتهم نفس معاملة العناصر الإرهابية وإنزال نفس العقوبات بهم بل في أحيان كثيرة تكون عقوبة الناشط أقسى وأشد من تلك التي يحكم بها على الإرهابيين.

وكيف يمكن فهم أو وصف هذه النظرة التي تعبر عنها السلطات السعودية لنشطاء الرأي وطلاب الحرية والحقوق عندما تساويهم بمن قتل الناس إرهابا أو من نكل بالمدنيين وفجر المساجد والمدارس والأسواق والمستشفيات؟ كيف يمكن القبول بإنزال عقوبات أشد بالوطني الحر الذي يحاول التغيير والإصلاح في موطنه ومسقط رأسه ويطالب ببعض التغييرات السياسية والقانونية بما يراه هو أفضل وأحسن لبلده، وهو ينشد ذلك بوسائل سلمية حضارية منصوص عليها في كل القوانين والاتفاقيات الدولية الراعية لحقوق الإنسان وحرياته المدنية والسياسية.

 مفارقات الأحكام القضائية.. ما هي الأسباب؟؟

ففي الوقت الذي يشدّد “القضاء السعودي” أحكامه بحقّ المعارضين السلميين وناشطي الحراك الشعبي، نجد مثلا المحكمة الجزائية المتخصصة في الرياض تخفف عقوبة إحدى السجينات التي أدينت بمبايعة زعيم تنظيم “داعش” الإرهابي، وقد خفضّت المحكمة مدة الحكم بالسجن من ست سنوات إلى ثلاثة، بعدما أبدت المدانة الندم والتوبة، بحسب رأي المحكمة.

هذا الموقف الرؤوف مع “داعشية” لا نجده في قرار صادر في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2014 أيضا عن المحكمة المتخصصة في الرياض التي حكمت على ثلاثة أشخاص يمتهنون المحاماة “بالسجن مدة 8 سنوات والمنع من السفر خارج المملكة مدة عشر ســـنوات اعتبارا من تاريخ انتهاء فترة السجن والمنع من الظهور في وسائل الإعلام والكتابة فيها وعبر مواقع التواصل الاجتماعي تحت أي ظرف كان”، وذلك بعد إدانتهم بعدة تهم من بينها “الافتئات على ولي الأمر وازدراء القضاء والتدخل في استقلاليته والقدح في جهاز العدالة والقضاء ووصف القضاء بالتخلف والنيل من القضاء الشرعي وانتهاك سيادته من خلال تغريداتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي”.

من جهة ثانية، حكمت المحكمة الجزائية المتخصصة خلال الشهر الحالي على “انتحاري داعشي بالسجن 10 سنوات لاعتزامه تنفيذ عملية إرهابية داخل المملكة ولثبوت إدانته بالتعاطف مع تنظيم داعش الإرهابي وتأييده لهم ولعملياتهم الإرهابية في داخل البلاد وخارجها ولتواصله مع المنتمين للتنظيم الإرهابي عبر مواقع التواصل الاجتماعي”.

هذا الحكم ضد من يهم بالشروع لتنفيذ جريمة إرهابية يقابله حكم صادر عن نفس المحكمة المتخصصة في الرياض التي قضت خلال شهر كانون الثاني/يناير الماضي “بإعدام 14 شخص لمشاركتهم في مظاهرات في العام 2011 التي نادت بإصلاحات في المملكة”، كما تمَّ الحكم على آخرين بالسجن لمدد مختلفة، علما أن من بين المحكومين بالسجن والإعدام من هو قاصر ولم يبلغ سن الرشد لا وقت حصول المظاهرات ولا حتى النطق بالحكم.

القسوة والرغبة بالانتقام والسعي لتشويه صورة أي مطالب بالحقوق، تجلت بأوضح صورها عند اغتيال الشهيد الشيخ نمر باقر النمر حيث قامت السلطات السعودية بتنفيذ العديد من الإعدامات لعناصر إرهابية بنفس اليوم الذي اغتيل به الشيخ النمر، بهدف التعمية على القضية وللإيحاء أمام الرأي العام العالمي والأغلبية الصامتة محليا أن هناك إعدامات حصلت لإرهابيين ليس إلا، بينما في الواقع هناك إعدامات لعناصر إرهابية وتصفية واغتيال لرجل دين آمن بالكلمة كسبيل للتغيير وهو رفع الصوت لتكريس المبادئ القانونية الغائبة عن المملكة من الفصل بين السلطات إلى استقلالية القضاء عن الأجهزة الأمنية والسياسية، كما سعى لتصويب الاعوجاج في أداء السلطات الحاكمة التي لا تقيم وزنا للقوانين ولا لحقوق الإنسان التي تعترف بها كل الدساتير والقوانين في جميع دول العالم كما تؤكد عليها الشرعية الدولية لحقوق الإنسان.

 قانون الإرهاب وتصفية الحسابات!!

وهذه النتائج الغريبة للعدالة في المملكة والرؤية المتناقضة للعدل بمنظار السلطات السعودية، دفعت “منظمة العفو الدولية” لإعلاء الصوت في تقريرها السنوي الذي نشرته مطلع العام الجاري، حيث قالت “واصلت الحكومة السعودية فرض قيود مشددة على حرية التعبير وتكوين الجمعيات والتجمع وقبضت السلطات على المدافعين عن حقوق الإنسان ومنتقدي الحكومة وحاكمتهم وسجنتهم بموجب قانون 2014 لمكافحة الإرهاب وغالبا بعد محاكمات جائرة… واستمرت المحاكمات الجائرة أمام المحكمة الجزائية المتخصصة(بالرياض)”، وأضافت “استخدمت السلطات السعودية قانون مكافحة الإرهاب لعام 2014 لاعتقال ومحاكمة النشطاء السلميين والمدافعين عن حقوق الإنسان…”.

كل هذه المفارقات العجيبة في نتائج المحاكمات في المملكة تدعو للتساؤل عن الأسباب التي توصل إلى هكذا تناقضات لا يقبلها عقل حكيم أو منطق قانوني، فهل المشكلة في القانون الذي يطبق وكيفية صياغته؟ أم أن المشكلة في الفكر الذي يفسر النصوص أو يدير منهج العدالة السعودية؟ أم أن المشكلة في الأداة التي تقرر الأحكام؟ الحقيقة أن هكذا نسبة عالية من  التناقض غير المفهوم قد يستوجب اشتراك كل هذه الأسباب في لحظة معينة كي ينتج مثل هذه الأحكام المشوبة بعيب إساءة استعمال السلطة بل ممارسة القمع والتضليل وتعمية الحقائق بأبهى صورها.

فالحقيقة أن القوانين التي يتم صياغتها بإرادة الحاكم المنفردة تجعله قادر على زج أي جهة أو اسم أو فئة في خانة المتهمين أو خانة من يستطيع أن يتهمها بما يريد ساعة يريد، كما أن الفكر المتبع في المملكة والذي تُنتقد بسببه على أعلى المستويات في هذا العالم هو فكر يبيح تكفير الناس وقتلهم لأسباب فكرية وعقائدية دون أي رادع أو وازع أخلاقي أو ديني أو إنساني، كما أن الأداة التي تحكم وتنفذ هي خاضعة للسلطة التي اتهمت سياسيا واعتقلت وحققت ومن ثم نفذت الاغتيال أو الإعدام، وبالتالي هذه الإزدواجية في المعايير للحكم على الأشخاص أو التصرفات بالإرهاب هو إرهاب بحد ذاته إلا أنه إرهاب يمارس من قبل دولة أو سلطة لها ما تحتاجه من وسائل لتبرير إرهابها بحق الناس والشعب، ولكن لا يبدو أن هذه السلطة قادرة بعد اليوم على مخادعة أحد لا في الداخل ولا في الخارج والدليل الأصوات اللامتناهية التي تصدح كل يوم مطالبة بإعطاء الناس حرياتها وحقوقها.

20/7/2016