يمكث العديد من الدعاة والمشايخ ورجال الدين في المملكة العربية السعودية وراء القضبان منذ عشرات السنين، دون أن يتلقّوا محاكمة أو معاملة تحفظ لهم كرامتهم التي امتهنها سجّانون يسومونهم سوء العذاب.

سعود العبيد القحطاني، المُلقب بـ”عميد المعتقلين السياسيين”، أحد هؤلاء الدعاة المعتقلين دون محاكمة عادلة، يدخل عامه السابع والعشرين في سجن “الطرفية” بمحافظة بريدة، بعد اعتقاله سنة 1991 في المدينة المنورة على خلفية اتهامه بتوزيع منشورات ضد الحكومة السعودية.

قضّى “القحطاني” السنوات العشر الأولى من اعتقاله دون توجيه أي تهمة له، ولم يسمح له بتوكيل محامٍ، كما تعرّض لتعذيب خلال فترة احتجازه وتنقّله بين سجون المدينة، وأبها، والحاير، وذهبان، قبل أن يستقر بسجن الطرفية الذي تديره المباحث العامة السعودية، ويضم أكثر من 3 آلاف معتقل سياسي وموقوف بـ”قضايا الإرهاب”.

بعد عشر سنوات من الاعتقال دون محاكمة، حكم على القحطاني بالسجن مدة 18 عاماً، لتنتهي محكوميته في 2009، لكن إدارة السجن كان لها رأي آخر، عندما أعلمت أشقاءه بقرار تمديد توقيفه 7 سنوات إضافية، وإبلاغهم بأنه سيحول إلى المحاكمة من جديد ما لم يغير من آرائه.

في العام 2016، انتهت السنوات السبع الجديدة التي قضّاها “القحطاني” في سجن الطرفية، لكنّ عميد المعتقلين السياسيين لم يخرج من زنزانته، وبقي رهن الاعتقال دون مبرّر، في وقت تؤكد فيه عائلته أن حالته الصحية والنفسية تدهورت بشكل كبير، لا سيّما بعد وضعه بالعزل الانفرادي مدة عام ونصف.

وكان والد سعود القحطاني قد تقدّم بشكوى ضد المباحث السعودية، لارتكابها مخالفات قانونية بحق ابنه المعتقل منذ نحو 27 عاماً؛ دون جدوى.

وعلى عكس الكثير من قضايا المعتقلين، فإن قضية الشيخ القحطاني (المهندس السابق في شركة أرامكو)، لم تأخذ حيزاً في الإعلام السعودي، ولا موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” الذي يعد الحاضن الرئيسي للقضايا الشائكة في البلاد.

تنديد دولي

وفي وقت سابق، أصدرت المنظمة الحقوقية الدولية “هيومن رايتس مونيتور” تقريراً أكّدت فيه أن الحكومة السعودية “لا تزال تعمل على تشريع انتهاكاتها بحق المدافعين عن حقوق الإنسان والمطالبين بإصلاحات سياسية داخلية، وذلك في قوانين مكافحة الإرهاب والقوانين المنظمة لحرية الرأي والتعبير وتكوين الجمعيات”.

وأضافت المنظمة الحقوقية المستقلة التي تتّخذ من العاصمة البريطانية لندن مقرّاً لها أن الحكومة السعودية دأبت بعد تشريع تلك القوانين وتفصيلها على إغلاق عشرات الجمعيات والدواوين السياسية والدينية، والتي وصلت لاعتقال عددٍ من النشطاء لفترات وصلت إلى نحو 25 عاماً، أو ما يزيد قليلاً.

وكشفت أن آلاف المحتجزين يقبعون خلف الأسوار بالمملكة دون تحديد أعدادهم، حتى ولو بشكل تقريبي، في ظروف احتجاز يغلب عليها الطابع السري التام، وعادة ما يتم احتجازهم دون توجيه تهمة أو عرضهم للمحاكمة لعِدة شهور أو ربما لسنوات، بدعوى أنهم رهن التحقيقات وما زالوا قيد الاستجواب دون وجود إمكانية للطعن في قانونية احتجازهم غير المقنن.

وطالبت المنظمة السلطات السعودية بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، كما طالبت أيضاً بتعويضهم عن الضرر المادي والمعنوي الذي تعرضوا له طبقاً للمادة التاسعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي نص على أنه: “لكل شخص كان ضحية توقيف أو اعتقال غير قانوني حق في الحصول على تعويض”.

أوضاع سجون مأساوية

وكانت تقارير حقوقية دولية، قد كشفت أن آلاف السجناء السياسيين في السعودية يعانون أوضاعاً مأساوية داخل السجون، كما وجهت أمريكا من خلال التقرير السنوي الذي تصدره حول حقوق الإنسان في العالم انتقادات شديدة للرياض بخصوص التضييق على حرية التعبير والاعتقالات التي يتعرض لها الحقوقيون، إضافة إلى الاعتقالات التعسفية والمحاكمات غير العادلة والممارسات غير الإنسانية داخل السجون.

وذكرت “هيومن رايتس ووتش”، في تقرير لها، أن السعودية كانت قد صعّدت سنة 2013 في حملات توقيف ومحاكمة المعارضين السلميين، وأخضعت آلاف الأشخاص لمحاكمات غير عادية، كما تعرض آخرون للاحتجاز التعسفي خلال الأعوام الماضية.

وفي سبتمبر الماضي، اعتقلت السلطات السعودية عدداً من الدعاة والعلماء في المملكة؛ بينهم سلمان العودة، وعلي العمري، وعوض القرني، بتهمة التخابر مع أجهزة أجنبية.

وبعد نحو أسبوعين من الحملة، قال وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، إن الاعتقالات جاءت لـ”إحباط خطة متطرّفة كان هؤلاء الأشخاص يعملون على تنفيذها، بعد تلقيهم تمويلات مالية من دول أجنبية”.

وأضاف الجبير في حوار مع وكالة “بلومبيرغ” الأمريكية: “وجدنا أن عدداً منهم كانوا يعملون مع دول أجنبية، ويتلقّون تمويلاً من أجل زعزعة استقرار السعودية”، مضيفاً: “عندما تنتهي التحقيقات سنكشف الحقيقة كاملة”.

29 يناير/كانون الثاني 2018