235 0 2021-04-20

الاخفاء القسري في السعودية

أن تعبر عن رأيك في أي قضية سياسية أو اجتماعية في السعودية بما لا يتوافق مع هوى السلطة يعني أن مصيرك الاعتقال والسجن دون أن يعلم عنك أهلك وأصدقائك شيئا. بل ربما لما هو أقل من ذلك، فأن تكون مؤثرا مجتمعيا ولكنك لا تصطف ملمعا للسلطة فستختفي من رقعة تلك الأرض فجأة ولن يعلم أحد عنك شيئا لشهور بل ربما سنوات، وإن اوقعك قدرك في يد سجان غليظ فقد تموت ولا يجد لك أحدٌ ذكرا أبد الدهر.

 

وقد حصل ذلك مع عدد ليس بالقليل من النشطاء والمطالبين بالإصلاح والمؤثرين فهذا تركي الجاسر مختفي منذ ٢٠١٧ ولا يُعلم أين هو حتى اليوم وقبله سليمان الدويش المعتقل منذ عام ٢٠١٥.  ونهى البلوي اختفت منذ سنة ونيف قبل أن يعرف أهلها أنها في معتقلات السلطات السعودية لأنها عبرت عن رفضها لتطبيع بلادها ما إسرائيل. وتؤكد المنظمات الحقوقية الدولية أن أكثر من ٦٠ شخص مختفين قسريا في السعودية بين مفكرين وناشطين وأمراء ورجال أعمال ويبدو آن عهد سلمان وابنه هو الأكثر سوءاً والأشد ظلمة في موضوع حقوق الانسان في السعودية والاعتقالات التعسفية فالإخفاء القسري الذي أصبح عابراً للحدود فقد اختطفت المخابرات السعودية بعض الأشخاص من بلدان أوروبية وعربية أمثال الأمير تركي بن بندر وسعود بن سيف النصر. بل وزاد الأمر فظاعة أن يتم اعتقال بعض القادمين للمملكة من المطارات فور وصولهم وذلك لأنه عبر عن رأيه في قضية معينة تخص السعودية.

 

ورغم المطالبات الدائمة للسعودية من طرف المنظمات الحقوقية الدولية، باحترام حقوق الإنسان، لا تزال تمارس المملكة أشنع الانتهاكات، وذلك رغم محاولات السلطة الترويج لإصلاحات اجتماعية لا هدف لها حقيقة إلا السعي لتحسين السمعة السيئة للسعودية أمام العالم، وقبله أمام مواطنيها الذين باتوا اليوم يخشون بطش أجهزة القمع في بلادهم أكثر من أي وقت مضى وقد عبّرت مؤخرًا منظمة العفو الدولية عن هذا الوضع، بأن “وجود نشطاء حقوق الإنسان اليوم في السعودية مهددون بالانتهاء؛ إذ أنهم يختفون واحداً تلو الآخر“. وفي ذات الإطار، طالب، نهاية الشهر الماضي، محاميان بريطانيان بتعليق عضوية السعودية في مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة على خلفية انتهاكات حقوقية، بينها اعتقال أو اختفاء قسري لناشطين وحقوقيين وبحلول عام ٢٠٢٠ تتضاعف الأعداد يوما بعد يوم ما بين معتقل او مختفييٍ وكلهم من المناضلين لأجل حقوق الانسان وكرامته في بلد لا يعرف عن الديمقراطية والحرية إلا ما يشاهده في الأفلام ويقرأه خلسة على الشبكة العنكبوتية.  

 

لا يكاد معتقل دخل سجون النظام السعودي إلا وقد مر بتجربة “الاختفاء القسري” المريرة، فهي طريقة استقبال السلطات السعودية للعديد منهم، ما يؤكد أنها سياسة “ممنهجة” وليست عارضًا يقوم به بعض الأفراد.

 

والاختفاء القسري؛ وفقًا لتعريف الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، بأنه “الاعتقال أو الاحتجاز أو الاختطاف أو أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية يتم على أيدي موظفي الدولة، أو أشخاص أو مجموعات من الأفراد يتصرفون بإذن أو دعم من الدولة أو بموافقتها، ويعقبه رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته أو إخفاء مصير الشخص المختفي أو مكان وجوده، مما يحرمه من حماية القانون”.

 

وثقت منظمة “القسط”، في تقرير لها بداية العام الماضي 2019 خمس حالات من الاختفاء القسري في السعودية. إضافة إلى المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان التي تحدثت في أكثر من تقرير عن الإخفاء القسري في السعودية والمخاوف على مصير هؤلاء المخفيين، فيما قالت منظمة “هيومن رايتس ووتش” في أحد تقاريرها أن الاحتجاز التعسفي يطاول الآلاف في السعودية.

 

– تعامل المجتمع الدولي مع الاختفاء القسري في السعودية:


ورغم ضخامة موضوع “الاختفاء القسري” داخل المملكة، إلا أنها لم تأخذ حيزًا كبيرًا مقارنة بحجمها لدى المجتمع الدولي، فالفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي التابع لمجلس حقوق الإنسان لم يرسل للسعودية منذ 2011 حتى اليوم سوى 7 قضايا يسائل فيها السلطات السعودية عن مصير أفراد تعرضوا للإخفاء القسري، كذلك إلى جانب مسائلات حول استخدام قانون مكافحة الإرهاب لتبرير عمليات الإخفاء القسري.

 

من بين الشكاوى التي أرسلت إلى السعودية، قضايا 17 مواطنا يواجهون عقوبة الإعدام على الرغم من عدة إنتهاكات تعرضوا لها، منها ما يتعلق بتعرضهم للإخفاء القسري.

 

إضافة إلى ذلك أشارت إحدى الرسائل إلى قضية مدافعين ومدافعات عن حقوق الإنسان تعرضوا للإعتقال والإخفاء القسري وهم إيمان النفجان ولجين الهذلول ومحمد البجادي، كما أرسلت إلى الحكومة السعودية شكوى حول المدافع عن حقوق الإنسان خالد العمير.

 

إضافة إلى ذلك شارك الفريق العامل في شكاوى أرسلت إلى السعودية حول كل من الصحفي السعودي جمال خاشقجي، وشكوى أخرى حول 5 معتقلين في قضية قتله، إلى جانب شكوى حول الإخفاء القسري للصحفي اليمني مروان علي ناجي المريسي.

 

إضافة إلى ذلك ظهرت ممارسة السعودية في تقارير الفريق العامل الدورية، كما تبين تجاهل الحكومة للرد على هذه الشكاوى والأسئلة.

 

ومن بين القضايا التي تعامل معها الفريق العامل قضية الداعية سليمان الدويش، الذي لا زال مصيره مجهولا على الرغم من مرور 3 سنوات على إختفائه. في يوليو 2017 راسل الفريق العامل الحكومة السعودية حول حالة الدويش، غير أن السعودية لاتزال تتجاهل بشكل مثير للريبة، في ظل معلومات تم تداولها في الشبكات الإجتماعية قالت أنه قتل تحت التعذيب، دون ورود نفي أو تأكيد رسمي، بحسب تقرير للمنظمة الأوربية السعودية لحقوق الإنسان.

 

كذلك حالات الاختفاء القسري لمواطنين قطريين عقب اندلاع الأزمة الخليجية بين البلدين، فقد قالت اللجنة القَطَرية لحقوق الإنسان، في أغسطس الماضي، في بيان، إنها تلقت “معلومات مؤكدة من مصادر موثوقة بشأن الاختفاء القسري للمواطن القطري، علي ناصر علي جار الله (70 عامًا) وابنه عبد الهادي (17 عامًا) في السعودية”، واللذين دخلا السعودية، بموجب تصريح عائلي، الخميس الماضي”.

 

وذكرت اللجنة أن جار الله وابنه “اختفيا قسريًا الأحد الماضي، الساعة الواحدة ظهرًا (بالتوقيت المحلي)، في المنطقة الشرقية بالسعودية، حيث تم إلقاء القبض عليهما من قبل السلطات السعودية، وإخفاؤهما بمكان غير معلوم”، بحسب ما أفادت وكالة “الأناضول” للأنباء.

 

وقالت إن “السلطات السعودية انتهجت في الفترة الأخيرة سياسة الإخفاء القسري لمواطنين قطريين؛ بسبب الأزمة السياسية”، وهو ما “يخالف كافة المواثيق الدولية والإقليمية”.

 

ولا تزال سلطات المملكة تتعسف مع مواطنيها والعديد من المقمين فيها باستخدام أسلوب الأختفاء القسري من أجل إرهاب المعارضين وذويهم، وسط تخاذل دولي ودعوات حقوقية لمزيد من الضغط على النظام السعودي للكشف عن مصير العديد من المختفين قسريًا.

 

المجلس الدولي لدعم المحاكمة العادلة وحقوق الإنسان ينوه إلى أن اختفاء الصحفي جمال خاشقجي ليس إلا استمرار لعمليات اختفاء تمت من قبل ولازالت مستمرة وأن هذا التحقيق يجب ألا يشمل الخاشقجي وحده فمن واجب السلطات السعودية أن تقدم معلومات أيضاً بشأن الأمير السعودي (القطري) نواف طلال الرشيد الذي وردت تقارير عن اختفائه منذ ترحيله من الكويت يوم 12 مايو/أيار2018 وأن توضح إن كان قد اعتقل ولأي سبب وأين هو حالياً وما هو مصيره؟؟ حيث هناك مصادر قالت إن تصفيته تمت في اليوم الثاني من اختطافه وغيرهم الكثير والكثير من المختفين قسراً داخل المملكة محرومين من الحق في التمثيل القانوني والحق في معرفة سبب اعتقالهم وطبيعة التهم الموجهة لهم والحق في التواصل مع أسرهم والمثول أمام محاكم تضمن المحاكمة العادلة المجلس الدولي لدعم المحاكمة العادلة وحقوق الإنسان يطالب الفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري والمقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحرية التعبير ومقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالإعدام القيام بتحقيق شامل حول انتهاكات وجرائم حقوق الإنسان للمملكة العربية السعودية التي بات الصمت عنها هو الجريمة الأكبر. ونؤكد على أن أي تقرير يمكن للسلطات السعودية إصداره لتبرئة نفسها لا يمكن الوثوق فيه مطلقاً كما يطالب المجلس بتعليق عضوية السعودية في مجلس حقوق الإنسان لما يشهده سجلها الحقوقي من سواد وتدهور داخل المملكة وخارجها والمجازر المرتكبة بحق الشعب اليمني أكبر شاهد على عدم أهلية وجودها في ذاك المكان المقدس لحقوق الإنسان رفعت منا لحقوق الإنسان ادعاء عاما  إلى الفريق الأممي العامل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي  تبرز فيه العوائق التي تحول دون تنفيذ الإعلان العام لسنة 1992 بشأن حماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري في المملكة العربية السعودية.

 

شهدت السنوات الأخيرة ارتفاعًا حادًا لعدد حالات الاختفاء القسري، مما يدل على أن هذه الممارسة أصبحت واسعة الانتشار في السعودية.

 

يختفي بعض الأفراد لفترات قصيرة بعد اعتقالهم في حين يظل البعض الآخر مختفيا لعدة أشهر أو سنوات، تُحرم خلالها أسرهم من الحصول على أي معلومات عن مصيرهم ومكان وجودهم. وبالإضافة إلى ذلك تواجه السلطات المظاهرات السلمية أوالتعبير عن الرأي بالتوقيف والاعتقالات المنهجية.

 

وتعرض  العديد من المدافعين عن حقوق الإنسان و الصحفيين و كل الذين انتقدوا سياسات الحكومة علناً ، للاختفاء القسري كأحد أشكال الانتقام ووسيلة لكتم أصواتهم.

 

عندما تكون هناك مخاوف بشأن ممارسة الاختفاء القسري في دولة ما، يمكن تقديم ادعاء عام إلى الفريق الأممي العامل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي، والذي يتم بعد ذلك إحالته إلى الدولة المعنية للتعليق عليه.  


في تقريرها المقدم إلى فريق خبراء الأمم المتحدة في 20 ديسمبر 2019، أشارت منا لحقوق الإنسان في ادعائها إلى أن التشريع الحالي لا يوفر حماية كافية ضد الاختفاء القسري، (2) وقد ساهم تركيز السلطة المتزايد وغير المقيد مع السلطة الملكية لثقافة الإفلات من العقاب، و (3) القواعد والممارسات المتعلقة بالتحقيق إلى التشجع على ارتكاب الاختفاء.

 

ممارسة منهجية:


على الرغم من أن اتساع نطاق الاختفاء القسري في السعودية مغلف بالسرية، إلا أن المعلومات التي تم الوصول إليها تشير إلى وجود توجه واضح لممارسة الاختفاء القسري على المدى القصير والطويل.

 

يحدد الادعاء كيف تتبع عمليات الاعتقال التي تنفذها أجهزة الاستخبارات نمطًا محددًا؛ فغالبًا ما يتم القبض على الضحايا من قبل ضباط بملابس مدنية لا يقدمون أمر اعتقال ولا يشرحون أسباب ذلك. ثم يتم نقلهم إلى أماكن مجهولة حيث يتم إخفاءهم قسراً ما بين بضعة أيام وعدة سنوات.

 

تشير الحالات إلى أن جريمة الاختفاء القسري، في كثير من الحالات، تُرتكب بصورة منهجية في السعودية من أجل الحصول على اعترافات بالإكراه، تُستخدم فيما بعد كدليل وحيد لتوجيه الاتهام للأفراد ومعاقبتهم لاحقا. وتسهل ثقافة الإفلات من العقاب هذه الممارسات، مما يحول دون تنفيذ الإعلان.

 

توضح الحالات الموثقة أيضًا إلى أن ممارسة احتجاز الأفراد بمعزل عن العالم الخارجي في السعودية، أنها في كثير من الأحيان بمثابة اختفاء قسري لأنها تتميز بشح المعلومات الرسمية المتعلقة بمكان وجود الفرد وسوء المعاملة والتعذيب (غالبًا ما تكون وسيلة للاستجواب)، وعدم الوصول إلى التمثيل القانوني. وشددت منا في ادعائها العام على إخفاق قاعدة بيانات السجناء عبر الإنترنت (نافذة) في الوفاء بما جاء في المادة 10 من الإعلان.

 

كما أبلغت منا أن سبل الانتصاف المتاحة والخوف من الانتقام لاتسمح بمعالجة ممارسة الاختفاء القسري، مما يقوض تنفيذ الإعلان.

 

المؤسسات والتشريعات:


يحكم في السعودية نظام ملكي ثيوقراطي مطلق، وأصبحت السلطة مركزية بشكل متزايد في السنوات الأخيرة نتيجة لإعادة هيكلة جهاز النيابة العامة وأجهزة الأمن في البلاد.

 

ينبه الادعاء العام إلى محدودية الضمانات في القانون المحلي لمنع حالات الاختفاء القسري، وإلى غياب تعريف محدد يجرم الاختفاء القسري على عكس ما ورد في المادة 4 من الإعلان. وأثارت منا أيضا في ادعائها العام مخاوف لجنة مناهضة التعذيب من أن التشريعات الحالية غير كافية وغير محترمة، على النحو المنصوص عليه في ملاحظاتها الختامية لعام 2016.

 

علاوة على ذلك، تم استخدام تشريعات مكافحة الإرهاب على نطاق واسع في السنوات الأخيرة لتجريم مجموعة واسعة من الأفعال، بما في ذلك التي تندرج تحت الحق في حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي وتكوين الجمعيات، إضافة إلى حرية الفكر والوجدان والدين.

 

ولفت الادعاء أيضًا الانتباه إلى أن قانون مكافحة الإرهاب لعام 2017 يمنح صلاحيات تقديرية كبيرة لرئاسة أمن الدولة والنيابة العامة، مما يسمح بالاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي للأفراد لمدة تصل إلى 90 يومًا (دون أي اتصال بالعالم الخارجي). كما يمنح القانون للمحكمة الجزائية المتخصصة سلطة تمديد فترة الاحتجاز إلى أجل غير مسمى، بما في ذلك الحبس الانفرادي، مما يعرض الأفراد لخطر الاختفاء.

 

تطرق الادعاء العام أيضا إلى غياب اليقين القانوني في المملكة العربية السعودية، مما يسهم في خلق مناخ الخوف والرقابة الذاتية. وأكد على أن عدم التصديق على العديد من اتفاقيات حقوق الإنسان الأساسية الدولية، بما في ذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، لا يترك إلا وسائل محدودة للتحقيق في جريمة الاختفاء القسري ومحاكمة مرتكبيها في المملكة.

 

توصيات:


أوصت منا في ادعائها العام حكومة السعودية بمنع ارتكاب الاختفاء القسري من خلال (1) إدخال تشريع وطني يحظر الاختفاء القسري، (2) اعتماد جميع التدابير اللازمة لضمان عدم احتجاز أي شخص محروممن حريته في السر، مع جميع الضمانات القانونية الأساسية ، (3) إلغاء جميع الأحكام القانونية التي تسمح بوضع الأفراد في الحبس الانفرادي لفترات طويلة، (4) ضمان الحق في المثول أمام المحكمة فضلاً عن الاتصال بمحام أو مستشار قانوني (5) إعادة هيكلة المؤسسات الوطنية لضمان وجود محكمة قضائية مستقلة، و (6) إدخال تشريعات تحمي الشهود والأشخاص الآخرين الذين يقومون بالسؤال أو يشاركون في التحقيق في حالات الاختفاء القسري.

 

كما أوصي بأن تصدق المملكة العربية السعودية على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، ونظام روما الأساسي.

 

السجون السرية لبن سلمان: جحيم الإخفاء القسري في السعودية


لا تكتفي السلطات السعودية بممارسة القمع وشنّ حملات اعتقال كبيرة ضد الناشطين السياسيين والناشطات الحقوقيات وإيداعهم السجن، بل إنها تقوم بإخفاء العشرات منهم في سجون سرية من دون معرفة ذويهم أي أمر عنهم، فضلاً عن وجود شكوك بتعرض بعضهم للقتل بسبب التعذيب، وفق ما تقول منظمات حقوقية سعودية تنشط خارج البلاد، منها منظمة “القسط“، التي وثّقت في تقرير لها بداية العام الحالي خمس حالات من الاختفاء القسري في السعودية.

 

إضافة إلى المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان التي تحدثت في أكثر من تقرير عن الإخفاء القسري في السعودية والمخاوف على مصير هؤلاء المخفيين، فيما قالت منظمة “هيومن رايتس ووتش” في أحد تقاريرها أن الاحتجاز التعسفي يطاول الآلاف في السعودية.

 

منذ وصول الأمير محمد بن سلمان إلى سدة ولاية العهد، في يونيو/حزيران العام 2017، بدأ سعود القحطاني المستشار في الديوان الملكي والذراع الأمني لبن سلمان، ببناء نظام سجون سرية عبر “رئاسة أمن الدولة“، وهو جهاز أمني تم تشكيله ليتولى الأمور الأمنية الخاصة بولي العهد من اعتقال وتحقيق وتعذيب وسجن، بعيداً عن إدارات السجون التابعة لوزارة الداخلية.

 

وتقوم السلطات السعودية بإيداع المعتقلين الذين تنوي تعذيبهم لإجبارهم على الإدلاء باعترافات، في “شقق مفروشة” أو مجمّعات سكنية تابعة لرئاسة أمن الدولة، تنتشر في طول البلاد وعرضها.

 

وأدلى بعض المعتقلين بشهادات لأهاليهم، تؤكد أنهم احتُجزوا لفترات طويلة داخل السجون السرية، كان من أبرزهم الطبيب الأميركي السعودي وليد فتيحي، والناشطة لجين الهذلول.

 

وكشفت علياء الهذلول، شقيقة لجين، الناشطة الحقوقية والسياسية النسوية التي اعتقلت في مايو/أيار العام 2018، أن شقيقتها أخفيت في شقة مفروشة تابعة لرئاسة أمن الدولة، وتعرضت في هذه الشقة، التي تصنف بأنها معتقل غير رسمي، لحملات تعذيب وضرب من قبل الأجهزة الأمنية بإشراف سعود القحطاني.

 

وقالت علياء الهذلول، في مقالة كتبتها في صحيفة “نيويورك تايمز“، إن شقيقتها تعرضت للتهديد بالاغتصاب والقتل وإلقاء جثتها في الصرف الصحي من قبل سعود القحطاني داخل السجن السري، وإن لجين أخبرت عائلتها، في اتصال، أنها تمكث في فندق، لكنه ليس فندقاً مثل “ريتز كارلتون“، في إشارة إلى مدى سوء السجن السري الذي يقع داخل الشقة المفروشة.

 

ونقلت السلطات لجين الهذلول لاحقاً إلى سجن ذهبان، وأعطتها رقماً وملفاً تعريفياً كسجينة رسمية، ثم نقلتها بعد ذلك إلى سجن الحائر في الرياض، لتكشف بذلك عن مصيرها الرسمي وتجعلها سجينة رسمية.

 

لكن المئات من المعتقلين الآخرين لا يزالون تحت طائلة الإخفاء القسري داخل السجون السرية المنتشرة في البلاد. ويعد الشيخ سلمان الدويش أبرز المختفين قسرياً في البلاد حتى الآن، وسط شكوك حول تعرضه للقتل بعد سلسلة من عمليات التعذيب على يد الأمنيين التابعين لولي العهد.

 

وكان الدويش، وهو أحد المحسوبين على ولي العهد السابق محمد بن نايف، قد اعتُقل في إبريل/نيسان العام 2016 عقب سلسلة تغريدات حذر فيها الملك سلمان بن عبد العزيز من منح الثقة لابنه محمد، ووصفه بالمراهق والمدلل.

 

ونقل الدويش بعد اعتقاله إلى السجون السعودية الرسمية. لكن مع وصول محمد بن سلمان إلى سدة ولاية العهد، أصدرت السلطات أمراً بالإفراج عنه وإخراجه من السجن، وتسلمته رئاسة أمن الدولة، التي قامت بتعذيبه داخل  سجونها السرية ما أدى لانقطاع أخباره، وسط حديث حساب “معتقلي الرأي” أنه تعرض للقتل.

 

واعتقلت رئاسة أمن الدولة، في مارس/آذار 2018، الصحافي والكاتب السعودي المعارض تركي الجاسر، وهو أحد أبرز مفكري “تيار الصحوة“، والذي يعد أكبر تيار ديني في البلاد، وذلك بعد اكتشاف السلطات إدارة الجاسر لحساب وهمي في موقع “تويتر” تحت اسم “كشكول“.

 

وذكرت صحيفة “ميرور” أن هناك موظفاً تابعاً للنظام السعودي في مكتب موقع “تويتر” في دبي قام بتسريب بياناته إلى السلطات ما أدى إلى اعتقاله. ونقل الجاسر فوراً إلى معتقل سري، وتعرض هناك إلى عمليات تعذيب أدت إلى مقتله، وفق ما يقول الناشط والمعارض السعودي عمر بن عبد العزيز الزهراني.

 

وتعمد السلطات إلى استئجار شقق في عمارات وبنايات ونزل تقع على أطراف المدن، وأمام الخطوط السريعة التي تربط مناطق البلاد ببعضها، إذ يسكن هذه البنايات غالباً مسافرون يتوقفون للاستراحة من عناء الطريق أو عمال وافدون يعملون في المشاريع الحكومية، مثل رصف الطرق وبناء المراكز الحكومية وسط الصحراء.

 

وبحسب معارض سعودي بارز مقيم في الولايات المتحدة، فضّل عدم الكشف عن اسمه؛ فإن المعتقلات السرية تنقسم إلى قسمين، قسم تتم فيه عمليات التعذيب، وغالباً ما يكون المجمّع السكني الذي تتم فيه هذه العمليات مملوكاً للحكومة بالكامل، وقسم يتم فيه إيداع المعتقلين لغرض إخفائهم فقط، كما هو الحال مع الداعية الإسلامي عبد العزيز الطريفي، الذي يتم نقله بين سجن الحائر والسجون السرية عدة مرات، إضافة إلى أمير قبيلة شمر، نواف الرشيد، الذي اعتقل في الكويت وأخفي في “منزل” تابع لأمن الدولة في الرياض، من دون أن يتعرض لعمليات تعذيب قبل أن يتم الإفراج عنه في ما بعد.

 

وعن السبب الذي يدفع السلطات لإيداع المعتقلين في السجون السرية بدلاً من السجون الرسمية، قال المعارض، الذي فر من البلاد عقب وصول بن سلمان لسدة ولاية العهد، إنه “على الرغم من استبداد بن سلمان الجنوني، وسيطرته المطلقة على الدولة، إلا أن البيروقراطية الحكومية واشتراط وجود أوراق لكل سجين وملف تعريفي رسمي له في وزارة الداخلية يعرّض هذه المعلومات للتسريب. كما أن وجود كاميرات في السجون الرئيسية الكبرى يعني أن مقاطع التعذيب قد تُسرّب من قبل متعاطفين مع المعتقلين، الذين يتمتعون بشعبية كبيرة، أو من قبل أبناء عمومتهم، خصوصاً أن السعودية مجتمع قبلي كبير. لذلك فإنه يعمد إلى وضعهم في سجون سرية وتعذيبهم كيفما يحلو له، ومن ثم نقلهم إلى السجون الرسمية حين الانتهاء منهم“.

 

من جهته، كشف المعارض السعودي المقيم في لندن يحيى عسيري، عن معلومات صادمة عن حجم ما يُعتقد أنه السجن السري الذي تعرضت فيه المعتقلة لجين الهذلول للتعذيب، وذكر أنه مجمّع ضخم يقع في طريق الحزم المؤدي إلى منطقة ذهبان، والتي تتبع منطقة مكة المكرمة إدارياً، ويتكوّن من عدد من البنايات، بعضها مخصص للضباط ورجال الأمن التابعين للسلطات وبعضها مخصص للاعتقال والتعذيب.

 

وذكر عسيري، الذي استشَهَد بصور للأقمار الصناعية تدل على وجود السجن السري، أنه يبعد 10 دقائق فقط عن سجن ذهبان سيئ الصيت، وأنه يسمى بـ“الفندق” أو “دار ضيافة الضباط“، وذلك في إطار التسميات السرية المشفرة لدى منسوبي جهاز أمن الدولة، كما أن المجمّع الضخم محاط بأسوار وحواجز أمنية.

 

وطالب عسيري المواطنين السعوديين بالكشف عن المباني التي يعتقدون أنها سجون سرية ونشرها عبر الإنترنت، وذلك لتوعية العالم بمدى الجحيم الذي يتعرض له المختفون قسرياً في السعودية تحت حكم بن سلمان.

مقالات ذات صلة
آلاء الصديق.."شهيدة القمع الإماراتي"
غوتيريش.. ومحاولة غسل يد إبن سلمان من دماء أطفال اليمن
إعدام الشهيد آل درويش.. يفضح إصرار نظام آل سعود على تنفيذ أحكام تعسفية بإجراءات قضائية جائرة
إعدام القاصرين.. تنديدات واسعة بانتهاكات السعودية لحقوق الانسان
اللاشرف: شرعنة للجريمة وهدر لدماء النساء
أقلام وأصوات خلف القضبان.. حرية الصحافة مكبّلة بقيود الاستبداد “السعودي”