مقالات

أن يسفك دمك في الخليج

مقال لـ: موسى السادة _ جريدة الأخبار

«ما كره قومٌ قط حرّ السيوف إلا ذلوا»

زيد بن علي

تكمن الفكرة في مقاربة الدماء بأنها محرّك للتاريخ، بمعنى أن تسفك دماً أو أن يُسفك دمك هو ما ينقلك من هامش التاريخ إلى محرّك فيه. بهذا المنطلق، إن ما جعل «الحضارة الغربية» تهيمن على تاريخ البشرية هو في كونها تملّكت أكثر سبل وآلات سفك الدماء فعالية وتوحّشاً. ومن هنا أيضاً، فنحن في عالم الجنوب ولكي نتملّك ونصنع تاريخنا بأنفسنا ونستقل، فهناك شرط لا مهرب منه وهو أن نقدّم دماءنا. وعليه، إن وجدت نفسك «تناضل» وتتفاعل تاريخياً دون دم وبامتياز ومنفعة مادية فأنت هنا لست فقط لا تصنع تاريخاً بل أنت بيدق في تاريخ الآخرين.

أثناء زيارة الملك عبد العزيز للمنطقة الشرقية عام 1939 للاحتفال باكتشاف النفط، قدّم حمد بن عيسى آل خليفة سيفاً للملك السعودي يدعى بـ«الأجرب». وهو سيف يعود لأحد أجداد عبد العزيز يدعى تركي بن عبد الله، فرفض تسلّمه وقال له «هذه ذكرى منا لكم، فأبقوه لديكم». بعدها بـ 61 عاماً، وتحديداً عام 2010، أرجع آل خليفة السيف للملك عبد الله وبعد وفاته قدّم أبناؤه السيف إلى عمّهم الملك الجديد سلمان، الذي قام بتسمية كتيبة في الحرس الملكي تحت قيادة ابنه بـ«كتيبة السيف الأجرب».

المسألة هنا أبعد ما تكون عن الابتذال في إعادة تكرار علاقة السيف بسطوة السلطة وقمعها وإجرامها، أو في الخوض في دراميات الدماء والسيوف، والتباكي في أن سيف الجور قد سكبت من دماء الناس. بل إن جوهر الأمر يكمن في استيعاب المضمون السياسي والتاريخي لهذا السيف والدماء التي سفكها. فآل سعود وسيفهم «الأجرب» ليسوا مجموعة بشرية مجردة ومستقلة تملّكت سيوفاً فحكمت تاريخ جزء من العرب، بل هيمنوا بأموال النفط على مسار تاريخ الوطن العربي ككل. بل هم جزء من تاريخ غيرهم، ضمن علاقة التبعيّة مع الغرب من البريطانيين في بادئ الأمر والولايات المتحدة اليوم.

بمنظور الاقتصاد السياسي، فنعيم وترف أمراء آل سعود هو جزء من هيمنة الرجل الأبيض على الكوكب، ولذلك فهو يحميهم ويحمي سيوفهم هذه، فحين يقيم قواعده على أراضينا فهو هنا يحمي سطوته التاريخية وامتيازه. وبالمنظور ذاته تتمتّع اقتصاديّات الخليج برفاه مختلف عن نظرائهم العرب، ضمن تقسيم ضخم للأدوار التاريخية التي يلعبها كل مجتمع عربي ضمن تاريخ الغربيين على أرضنا. فالدور التاريخي للعربي في الخليج ضمن آليات الاقتصاد العالمي هو السلم والرفاه، أن يأخذ نصيبه من ريع النفط ويستهلكه بشراء المنتجات والأطعمة ومن ثم يخرس ويصمت ويرضى بالذل والهوان، وأن يسافر للسياحة في مدن أوروبا ويضخ أمواله هذه في اقتصاديات الغرب بطريقة أخرى ويلعب دوره في تاريخهم هم. بينما مثلاً، دور العربي اليمني في تاريخ الغرب مغاير، فهو لا يستطيع استهلاك المنتجات الغربية، فدوره هنا لضخ الأموال في اقتصاديات الغرب هو أن يموت ويُستهلك عبر قنابل تسقط على رأسه، لمصلحة مصانع السلاح البريطانية والأميركية. وفقط حين يقاوم ويقصف مصفاة نفط فهو هنا يكسر هذه المعادلة ويصنع تاريخاً لنفسه لا لغيره.

لم تكن مجزرة الإعدامات الأخيرة توقيتاً وحجماً خارج علاقة التبعية بين السلطة السعودية والأميركيين وجدليّاتها. فالذي حصل أن سلمان وابنه وضمن مساحة تناقضاتهم مع إدارة بايدن ــــــ والغرب ككل ــــــ وجدوا فرصة سانحة لإرسال رسالة هزلية مفادها أننا نستطيع سفك الدماء أصالة عن أنفسنا، وأن سيوفنا لنا ونحن مستقلون في حماية تاريخ حكمنا. وكغيرهم من الملوك والأمراء الجبناء فحماية العروش تكون بجر العزّل مكبّلين للمقاصل وللساحات وإعدامهم دون حيلة. بيد أن السؤال هنا دماء من تلك التي سفكت؟

لم يكن الشهداء المعتقلون يصطفون على مسلك الذبح صدفة واعتباطاً، بل هم، وبالمعنى التاريخي، كانوا أولئك الذين رفضوا ذل دورهم في تاريخ غيرهم من أمراء وشيوخ ومجتمعات بيضاء غربية، فاعتقلوا وسجنوا وعذبوا. كانوا أولئك الذين رفضوا هندسة الأدوار العربية وتقسيماتها، ففي مشهد يدل على ذلك اختلطت في هذه الإعدامات دماء عرب من الخليج بأسرى يمنيين، ليتشاركوا الدور التاريخي.

فأن يسفك دمك في الخليج هو تمرّد تاريخي، هو أن تقدّم دمك لتدخل نفسك ومجتمعك في التاريخ وتصنعه، في حين كان يراد منك أن تكون على هامشه؛ أن تتسمر على الشاشات في المجالس والديوانيات تشاهد مآسي شعوب العرب و تنكفئ بغرور وأنانية عنها. أن يسفك دمك في الخليج هو أن تكون عربياً في زماننا، أن تكون ضمن تاريخ العرب المستقل، وأن نرفض أن نكون تاريخ غيرنا على أرضنا، فلهذه الدماء التي سفكت بدورها رسالة، مفادها: نحن التاريخ يا أمراء آل سعود!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى