مقالات

بتُهمة “الخيانة العُظمى”.. الأمير محمد بن سلمان يعتقل 9 قضاة بارزين من المُوالين له ومن أماكن عملهم.. أحد القضاة المُعتقلين حَكَمَ بإعدام 81 شخصاً في مُحاكمة وُصِفَت بالمجزرة وآخر أدان لجين الهذلول بالإرهاب.. ما الذي يجري في السعوديّة؟

عمان- “رأي اليوم”- خالد الجيوسي:

الأنباء الواردة من العربيّة السعوديّة، تُوحي بأن الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي فيما يبدو، يُحضّر لأمر ما يتعلّق بالمُعتقلين السابقين أو اللاحقين الجُدد، حيث جدّد الاعتقالات، وجرى هذه المرّة اعتقال تسعة قضاة يوم الاثنين، وغالبيّتهم قضاة بارزين تم تعيينهم رسميّاً بأمر ملكي، وهذا يُوحي للأوساط السعوديّة بأن الأمير الشاب إما سيذهب نحو مزيد من الحملات العقابيّة التي يشنّها ضد ما يصفهم بالفاسدين والخونة، أو أنه ذاهب لحملة تبييض مُعتقلات، والإفراج عن مُعتقلين سابقين، بدأت كما يرى المُتفائلون رغم أوقاتها المُتفاوتة بالإفراج عن كُل من لجين الهذلول، ثم تلاها المُدوّن الليبرالي رائف بدوي كبادرة حُسن نيّة، ولكنّ الأمير بن سلمان أبقى منع السفر على كليهما، ودوام الرقابة والمُتابعة، حتى أن الهذلول أكّدت اختراق هاتفها المحمول من قبل سُلطات بلادها.

وأكّدت من جهتها حسابات سعوديّة معنيّة بمُتابعة الاعتقالات اعتقال القضاة المذكورين، واللافت أنه جرى اعتقالهم من أماكن عملهم، أيّ أن اعتقالهم كان يُراد له أن يتم بالعلنيّة بغرض التعريف الإعلامي، وجرى إبلاغ الذين جرى اعتقالهم من القضاة، بأن اعتقالهم بتُهمة “الخيانة العُظمى”، وهي التهمة التي يُعاقب عليها القانون السعودي بالإعدام، يطرح البعض تساؤلات هُنا حول شكل وظروف هذه الخيانة، وإن كانت تتعلّق بظروف تخابر مع دولة أجنبيّة، كتلك التي جرى توجيهها لعدد من رجال الدين، وناشطات، وتحديدًا حينما كانت أزمة مُقاطعة قطر سارية، وما قبل قمّة العُلا التصالحيّة.

لم تُوضّح السلطات السعوديّة أسباب الاعتقال الفعليّة للمُعتقلين القضاة، كما لم تُعلن رسميّاً اعتقالهم، وكعادتها لا تُعلن مثل تلك الاعتقالات، التي يُؤكّدها الإعلام الغربي لاحقاً مثل اعتقال الأمير محمد بن نايف ولي العهد السابق الذي يعتبره الأمير بن سلمان تهديدًا لوصوله للعرش، ولكنها تضطر أحياناً لتأكيدها، وخاصّةً حينما يتعلّق الأمر بأسماء بارزة في مجالاتها تُريد الرياض إرسال رسائل من وراء اعتقالهم، وأبرز حملات الاعتقال المُعلنة كانت حملة فندق “الريتز كارلتون” الشهيرة ضد الفساد، والتي طالت حتى أمراء بارزين من العائلة الحاكمة، أمثال رجل الأعمال الأمير الوليد بن طلال، وغيره من رجال أعمال وأمراء الذين جرى الإفراج عنهم بتسويات.

وكان من بين القضاة التسعة الذين تم تأكيد اعتقالهم، ثلاثة من محكمة الدرجة الأولى المتخصصة (الإرهاب)، وثلاثة من محكمة الاستئناف المتخصصة، وثلاثة من المحكمة العليا، أعلى محكمة في العربيّة السعوديّة.

اللافت في هؤلاء القضاة الذين جرى اعتقالهم من أماكن عملهم، بأنهم محسوبون على الأمير بن سلمان بواقع تعيينهم الرسمي بأمر ملكي أي أنه جرى المُوافقة عليهم، والتأكّد من ولائهم، ولكن جرى توجيه اتهامات “الخيانة العُظمى” لهم، أي أن الأمير بن سلمان لعلّه لا يزال يجري عمليّات تقييم ولاءات لكافّة المسؤولين في بلده على اختلاف مناصبهم، حتى وإن كان بنفسه قام باختيارهم وتعيينهم.

اعتقال هؤلاء القضاة قد يكون له سبب آخر يعتقده المراقبون، يتعلّق بأنه سيكون مُقدّمة للإفراج عن المُعتقلين والمُعتقلات، فهؤلاء القضاة كانوا سبباً بإصدار أحكام تتعلّق بالإرهاب والخيانة، التي قالت جمعيّات حُقوقيّة إن لا أساس لها من الصحّة، بُنيت على اعتقالات تعسّفيّة، كان أبزر أسبابها تسجيل هؤلاء المُعتقلين مواقف مُعارضة، وناقدة، وحتى أحياناً صامتة فقط بحق سياسات الأمير بن سلمان.

السّؤال المطروح الآن، هل يُفكّر الأمير بن سلمان، بتحسين صُورته المُشوّهة أمريكيّاً، وغربيّاً، هذا سؤال يرى مراقبون أنه يُمكن طرحه، خاصّةً بأن أحد هؤلاء القضاة المُعتقلين، هو خالد اللحيدان الذي كان قد أدان الناشطة لجين الهذلول بتهم إرهاب، وكان الرئيس بايدن قد طلب الإفراج عن الهذلول بالاسم، وهو ما قد يُفسّر اعتقال اللحيدان.

والثاني هو عبد العزيز بن مداوي الجابر، وهذا الأخير هو المسؤول عن احكام بإعدام 81 شخصاُ جماعيّاً الشهر الماضي، وهي عمليّة إعدام كبيرة شملت عددًا كبيرًا من الطائفة الشيعيّة، وتسبّبت بانتقادات دوليّة للمملكة، وصفتها بالمجزرة، فهل قام الأمير بن سلمان باعتقال اللحيدان والجابر مع بقيّة القضاة الآخرين، حتى يقوم بمُعاقبتهما على أحكامهما التي يُفترض أنها حصلت بضُوء أخضر منه لتحسين صُورته كإصلاحي كما كانت قد وقعت جريمة خاشقجي دون علم منه أو مُوافقة كما يقول، أم أن “خيانتهما العُظمى” لا تُغتفر، وبداية لحملة شبيهة لفندق الريتز، قد تطال أسماء جديدة بارزة، تكشفها الأيّام القادمة، وكل هذا لتدعيم حكمه، ووصوله للعرش، وفي ظل تأزّم علاقاته مع واشنطن، وتحديدًا إدارة بايدن الديمقراطيّة، وميله نحو الصين وروسيا الأقل اكتراثاً بملف حقوق الإنسان في بلاده.

المصدر : رأي اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى