مقالات

حرية الرأي والتعبير والإصلاح: جدليّة العلاقة

مرآة الجزيرة– حسن الطاهر

في حياة الأمم والشعوب وعلى سلّم التطور التاريخي للبشرية، ثمة محطات رئيسة لتحولات عميقة أصابت صيرورة هذه الشعوب نحو تطورها وتقدمها، على الرغم من التباين والاختلاف بينها في الزمان والمكان، وفي طبيعة التحول ذاته.

إن الارتباط الوثيق بين حرية الرأي والتعبير والتحول الديمقراطي وقبله المرور بمرحلة الإصلاح السابقة للتحول، يجعل التعددية السياسية والفكرية مستحيلة من دون إطلاق تلك الحرية التي تعتبر من ضرورات وأسس الانتقال في النظم السياسية.

لقد تناولت الكثير من الدراسات والأبحاث والنظريات الآثار السياسية لحرية الرأي والتعبير على عملية التحول الديمقراطي، إلا أن هناك اختلافات شديدة بين من تناولوا تلك التأثيرات، فمن ناحية هناك جدل محتدم حول التأثيرات القوية مقابل التأثيرات المحدودة، ومن ناحية أخرى ظل هناك خلاف بين الذين يفترضون وجود تأثيرات قوية حول ما إذا كانت حرية التعبير عن الرأي تسهم في حركيات التحول الديمقراطي، أم في تعزيز السلطوية، وفقا لم يورده مركز دراسات الوحدة العربية في بحثه عن جدلية العلاقة بين حرية الرأي والتعبير والحراك الديمقراطي في الوطن العربي.

لا تكون حرية الرأي والتعبير في الأنظمة الشمولية أو السلطوية في حالة ملائمة لمناصرة الديمقراطية، حيث القيود المفروضة من جانب الحكومة، على سبيل المثال، عن طريق قوانين الصحافة الصارمة وملكية الدولة لوسائل الإعلام، أو عن طريق العقوبات والتهديدات الاقتصادية، وفي كثير من الأحيان التهديدات والعقوبات الجسدية.

 

وبطبيعة الحال، هذا لا يعني بأية حال من الأحوال ضرورة العمل على تأسيس تقاليد نقديد، ولوّ من الخارج، ومساءلة شرعية النظام المتآكلة، وطرح قيم وأفكار بديلة. كل هذه الأنشطة تساهم في إحداث تأثيرات على المدى الطويل، وقد تشكل دعائم مهمة يعوّل عليها لبناء الوعي بالقضايا المصيرية ويساعد على تأطير الأحداث وتنظيم الاحتجاجات الشعبية، التي تزيد من حدّة الضغوط على السلطات.

إن الدول صاحبة الخبرة التي شهدت تحولات ديمقراطية في نهاية التسعينات من القرن العشرين، والسنوات الأولى من القرن الواحد والعشرين، تعرف ما يمكن أن يطلق عليه “البنية الأساسية للديمقراطية” سواء على المستوى البنائي الدستوري- القانوني، أو على مستوى الممارسة السياسية ذاتها.

الأمر بطبيعة الحال غير قابل للتعميم، حيث أنه يقال بأن بعض الانظمة السياسية لا تتسلح فقط بالحريات بل تعيش عليها، فبإسم المخاطر التي تحملها الحريات يتم خنقها، وباسم استغلال الحرية من قبل خصومها يتم كبتها. وبالتالي إن مسوغات مصادرة الحرية، وخصوصاً حرية التعبير تبرر كافة انواع الرقابة والتضييق وفي نهاية المطاف احتكار وسائل التعبير والعمل السياسي من قبل الحكومة، باعتبارها، زعماً، الناطق الرسمي بإسم الحقيقة والممثل الشرعي الوحيد للمصالح العامة.

ووفق منظمة القسط لحقوق الإنسان، حافظت “السعودية” على مكانتها ضمن أخطر وأصعب الدول في العالم لعمل الصحفيين،ورغم التقييد القديم لحرية التعبير في السعودية وما تعرضت له المطبوعات من قمع تعسفي ومن ثم تقييد قانوني بنظام المطبوعات والنشر لعام 2000 (الذي عُدِّل عام 2003).

فقد وضع نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية لعام 2007 إطارًا قانونيًّا جديدًا لقمع حرية التعبير على الإنترنت، وموادّه الفضفاضة تستخدمها السلطات لمحاكمة الأفراد لتعبيرهم السلمي عن آرائهم بنشرها على مواقع الإنترنت أو شبكات التواصل الاجتماعي.

ويلاحظ أنّ الوعود بالإصلاح والتغيير والانفتاح التي تكررت مع تقلّد محمد بن سلمان ولاية العهد قد تحولت سريعًا إلى مستوىً جديدٍ من القمع، يستهدف إغلاق المجال العام أمام جميع الاتجاهات الفكرية، وخصوصًا الإصلاحي منها.

وهذه الممارسات كافة تجري تحت عدد من القوانين ذات المواد الفضفاضة، التي تترك للسلطات – في حال إحالة المعتقل إلى المحاكمة – مساحة واسعة لتفسيرها بما يوائم أهدافها السياسية بتكميم الأفواه والتضييق، وتكرر استخدامها لإيقاع الأحكام بالسجن على العاملين في المجال الصحفي.

ويظهر ذلك في بعض مواد نظام المطبوعات والنشر، حيث تؤكد المادة التاسعة من النظام على الالتزام “بالنقد الموضوعي والبنّاء الهادف إلى المصلحة العامة، والمستند إلى وقائع وشواهد صحيحة”. ولكنها تضع مجموعة من المحظورات الفضفاضة تمنع النشر فيها بأي وسيلة كانت، منها ما “يخالف أحكام الشريعة الإسلامية أو الأنظمة النافذة”، و”ما يدعو إلى الإخلال بأمن البلاد أو نظامها العام.

أو ما يخدم مصالح أجنبية تتعارض مع المصلحة الوطنية”، و”التعرض أو المساس بالسمعة أو الكرامة أو التجريح أو الإساءة الشخصية إلى مفتي عام المملكة أو أعضاء هيئة كبار العلماء أو رجال الدولة أو أي من موظفيها أو أي شخص من ذوي الصفة الطبيعية أو الاعتبارية الخاصة”، و”ما يضر بالشأن العام في البلاد”، و”وقائع التحقيقات أو المحاكمات، دون الحصول على إذن من الجهة المخولة نظامًا”.

تضع هذه المحظورات أمام العمل الصحفي عراقيل خطيرة، بخطوط حمراء واسعة، تثني الصحافة من مقاربة الموضوعات الحرجة التي تمسّ الشأن العام، وخصوصًا سياسات السلطات وممارساتها داخليًّا وخارجيًّا. وتستخدم السلطات السعودية نظام مكافحة جرائم المعلوماتية لملاحقة الصحفيين والعمل الصحفي على الإنترنت، وقد حوكم بموجب هذا القانون عدد من نشطاء حقوق الإنسان بسبب عملهم الحقوقي وتعبيرهم عن آرائهم.

هنا لا بد من التأكيد على أن النظام السعودي، وباسم الإصلاح، أقدم على اعتقال المنادين به وخنق أصواتهم، ومنع انضمامهم إلى الركب الإصلاحي المزعوم، حتى من قبل من كانوا ينسبون على البلاط الملكي. حيث أعاد محمد بن سلمان انتاج الاستبداد ولكن عن طريق معزوفة الاصلاح، فقد تم تعزيز نمط التفكير الخاص بالاصلاح المسلوب الحياة، عن طريق انشاء هياكل فارغة تحمل اوهام الاصلاح ولكن دون أن تعنيه، وتستخدم لتصفية الحسابات الشخصية. بالتوازي مع حالة من التعمية والترويج عن الواقع المأساوي والفساد المستشري في المؤسسات من بوابة الانفتاح وإغراء عقول الشباب وتوجهاتهم بفتات المشهد وضجة الحفلات والموسيقى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى