مقالات

سجون السعودية مرتع للإنتهاكات ضد المعتقيلن رهن التحقيق

اجمعت منظمات حقوق الإنسان على أن هناك شبه انعدام لشروط العدالة في الجزيرة العربية مرده الى عدم التزام سلطات آل سعود بكل القوانين الدولية التي صادقت على بعض منها لتحسين الحالة الحقوقية الآخذة في التردي في البلاد، من هذه القوانين بطبيعة الحال قواعد نيلسون مانديلا.

 

تطرق مانديلا في القاعدة 111 الى القاعدة 120 إلى لمسألة السجناء الموقوفون أو المحتجزون رهن المحاكمة وهم الأشخاص الذين تمَّ توقيفهم أو حبسهم بسبب مخالفة جنائية ووضعهم في عهدة الشرطة أو السجن ولكنَّه لم يُحاكَموا ولم يصدر في حقهم حكم بعدُ.

 

هؤلاء السجناء هم أبرياء ويجب أن يعاملوا على هذا الأساس. تتجاهل سلطات آل سعود هذه المسألة بل وتضرب بها عرض الحائط مع كل اعتقال تعسفي تشنه في مختلف أرجاء الجزيرة العربية حيث تعرض الكثير من الناشطين الحقوقيين والمعارضين لإخفاء قسري طالت مدته في كثير من الأحيان في ظل سياسة الترهيب التي يمارسها النظام الغاشم ضد النشطاء والمدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان.

 

في الواقع، لا يعامل المختفين والمختفيات قسريا معاملة الأبرياء مطلقا، بل على العكس يشكل الإخفاء القسري وعزلهم مدة طويلة عن العالم مقدمة لكل أنواع الإنتهاكات كالتعذيب الجسدي والمعاملة السيئة الحاطة بالكرامة .

 

في أبريل 2016، اختفى الداعية سليمان الدويش خلال زيارته إلى مكة المكرمة ولم تعرف العائلة أي تفاصيل حول عملية الاعتقال ولا أسبابها في وقت وضعت داخلية نظام آل سعود إسمه على الموقع الإلكتروني التابع لها والمخصص للتعريف بأسماء المعتقلين وحالتهم، وأشارت البيانات القليلة إلى أنه رهن التحقيق بيد أن اسمه حُذف بعد فترة.

 

كمثل الدويش ثمة العديد من الأسماء التي كانت ولا يزال بعض منها في عداج المختفين قسريا ، ففي 12 مايو 2021 ، إعتقلت قوات أمن النظام  الناشط على مواقع التواصل الإجتماعي عبد الله جيلان، في المدينة المنورة، بعد اقتحام منزله وتفتيشه قبل أن تأخذه إلى مكان مجهول.

 

تعرض الناشط على الإنترنت عبد الله بن عوض المباركي في 22 يوليو 2021 للمصير عينه حيث اعتقلته قوات أمن النظام  من منزله في مدينة ينبع ولم تعرف العائلة بشكل رسمي سبب الإعتقال بيد أن ناشطون رجحوا أن يكون إعتقاله وإخفاؤه القسري على خلفية مشاركته في حملات على وسائل التواصل الإجتماعي للدفاع عن الحقوق والحريات.

 

مدافعات عن حقوق الإنسان تعرضن بدورهن للإخفاء القسري والإنتهاكات الجسيمة وبقين رهن المحاكمات فترات طويلة نذكر منهن لجين الهذلول التي اعتقلت في السابع من يونيو 2017 وقد تعرضت للتعذيب والتحرش الجنسي على أيدي جلاديها ولم يتم الإعلان في ذلك الوقت عن سبب اعتقالها.

تضمنت القاعدة 112 من قواعد مانديلا بندبن اساسيين وهما:

أولا أن يفصل السجناء غير المحاكَمين عن السجناء المدانين.

ثانيا أن يُفصَل السجناء غير المحاكَمين الأحداث عن البالغين ويجب من حيث المبدأ أن يُحتجزوا في مؤسسات منفصلة

لا شك أن البند الأول غير معتد به في نظام آل سعود فمن غير المعروف في كثير من الأحيان اماكن تواجد غير المحكومين . بعضهم يؤخذ الى سجون سرية كما حصل مع العديد من المدافعين عن حقوق الانسان .هذه السجون تضم أيضا أولئك الذين وجهت لهم سلطات آل سعود تهما عديدة من بينهم معتقلو الرأي وحتى علماء دين .

أما فيما يخص البند الثاني فإن نظام آل سعود يصرح  بوجود إصلاحية للأحداث او ما يعرف بدور الملاحظة الإجتماعية الذين يتم اعتقالهم ولكنها تنتهك القوانين في كثير من الأوقات والشواهد عديدة.

 

الطفل عبد الرحمن البالغ من العمر 16 عاما زج به في زنزانة انفرادية في سجن الحائر السياسي السيئ الصيت الواقع في العاصمة الرياض وليس في دور الملاحظة الاجتماعية. سجن لفترة طويلة وصلت لأكثر من أربعة أشهركما تم عزله أثناء فترة الانفرادي بشكل تام عن العالم الخارجي عدا عن اتصالين خلال 4 أشهر.

 

بدأ معه التحقيق بعد شهر من إيقافه، ولم يعطى فرصة توكيل محامي، وأتهم فيما بعد بإنشاء مجموعات إلكترونية جهادية على شبكة الإنترنت كما لم يتم عرضه على المحكمة أو توجيه تهم من قبل الجهة المعنية بالتحقيق .

 

يفصل مانديلا من البند 113 الى البند 118 أبرز الحقوق الواجب أخذها بعين الإعتبار في معاملة المحتجزين رهن التحقيق.

 

تنص القاعدة 113 على أن  ينام كلُّ سجين غير محاكَم في غرفة فردية، ولكن مع مراعاة العادات المحلية المختلفة فيما يتعلق بالمناخ. تستبدل سلطات آل سعود حقيقة الغرف الفردية بغرف الإنفرادي حيث يقبع السجين وحيدا فيها لأيام وسنوات  معرضة سلامتهم النفسية والجسدية للخطر. وهذا الأمر ينطبق على اولئك المحتجزين الذين ينتظرون محاكمتهم أو توجيه التهم لهم . تماما مثلما حدث مع الشيخ سمير الهلال الذي قضى في السجن الإنفرادي أكثر من أربع سنوات وكان الشيخ الهلال قد تعرض

للإخفاء القسري، إذا لم تستطع العائلة معرفة مكان اعتقاله لفترة من الزمن في ظل الحديث عن الكثير من الإنتهاكات النفسية والجسدية التي ساقها النظام ضده ما يعد مؤشرا واضحا على انعدام العدالة في أي محاكمة قد يعرض عليها، بسبب عدم حصوله على أي من حقوق ما قبل المحاكمة.

أما بخصوص القاعدة 114 فقد نصت على أن للسجناء غير المحاكَمين إذا رغبوا في ذلك، في الحدود المتَّفقة مع حفظ النظام في المؤسسة، أن يشتروا ما يريدون من الطعام من الخارج على نفقتهم، إمَّا بواسطة الإدارة أو بواسطة أسرهم أو أصدقائهم. وفيما عدا ذلك، تتكفَّل الإدارة بإطعامهم. ولك أن تتخيل عزيزي القارئ ، كيف تسمح سلطات آل سعود لهؤلاء المعتقلون خصوصا معتقلي الرأي بأن يتصرفوا بحرية داخل السجن ويتواصلوا مع العالم الخارجي وهي التي اعتقلتهم بسبب آرائهم ونشاطهم السلمي !

في الواقع يؤكد اهالي المعتقلين ان ابنائهم بعد تعرضهم للإختفاء القسري وسجنهم يمنعون من الإتصال بهم ويمنعون من الزيارات ايضا في مخالفة واضحة للإتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الإخفاء القسري التي تنص في مادتها السابعة عشر أن على الدول “ضمان حصول كل شخص يحرم من حريته على إذن للاتصال بأسرته أو محاميه أو أي شخص آخر يختاره، وتلقي زيارتهم، رهنا فقط بمراعاة الشروط المنصوص عليها في القانون”.

 

أما عن القاعدة 115 فقد ورد فيها بأن يُسمَح للسجين غير المحاكَم بارتداء ثيابه الخاصة إذا كانت نظيفةً ولائقةً. أمَّا إذا ارتدى ثياب السجن، فيجب أن تكون هذه مختلفة عن الثياب التي تُعطى للمحكوم عليهم. في حين تنص القاعدة 116 من قواعد مانديلا على أن يُعطَى السجين غير المحاكَم دائماً فرصةً للعمل، ولكن لا يجوز إجباره عليه. فإذا اختار العمل، وجب أن يتقاضى عليه أجراً.

 

لا يملك واقعا المعتقلون رهن التحقيق اي حرية في اختيار ملابسهم أو اي شيء آخر كما أنهم لا يعطون فرصة للعمل فيما يقضي عدد كبير منهم في السجن بانتظار محاكماتهم او معرفة التهم الموجهة اليهم.

أما القاعدة 117 فقد جاء فيها بأنه يُرخَّص لكلِّ سجين غير محاكَم بأن يحصل، على نفقته أو نفقة الغير، وفي الحدود المتَّفِقة مع مصلحة إقامة العدل ومع أمن السجن والمحافظة على النظام فيه، على ما يشاء من الكتب والصحف وأدوات الكتابة وغيرها من وسائل قضاء الوقت. هذه القاعدة تندرج هي الأخرى في سياق الحرية المنزوعة من المعتقلين رهن التحقيق . اذ يتعرض هؤلاء لصنوف عديدة من التعذيب بغية انتزاع اعترافات منهم واستغلالها في أي محاكمة لهم .فهم بالتالي لا يملكون رفاهية استحضار كتب وصحف وما شابه.

ولعل القاعدة 118 التي تنص على أن يُرخَّص للسجين غير المحاكَم بأن يزوره ويعالجه طبيبه أو طبيب أسنانه الخاص، إذا كان لطلبه مبرِّر معقول وكان قادراً على دفع النفقات اللازمة فهي من أكثر القواعد الغير مطبقة بوضوح تام في سجون النظام . فالمعروف ان المعتقلين رهن التحقيق والذين لم يصدر بحقهم أحكام يتعرضون ايضا للإهمال الطبي ففي يناير ٢٠١٨ توفي الشاب حبيب الشويخات بعد معاناة مع مرض السرطان واضطرابات في القلب والغدة الدرقية، والتي تضاعفت نتيجة الإهمال الطبي المتعمد، وتسببت له بضيق التنفس وعدم القدرة على المشي.

في 8 أغسطس 2019 توفي أحمد الشايع في سجن الطرفية بسبب تعرضه خلال فترة سجنه لإهمال صحي متعمد وتعذيب جسدي ونفسي فاقم من معاناته.

القاعدة 119 من قواعد مانديلا تضمنت بندان رئيسيان هما :

اولا :لكلِّ سجين غير محاكَم الحق في أن يُبلَّغ فوراً بأسباب احتجازه وأيِّ تهم موجَّهة إليه.

ثانيا  إذا لم يكن للسجين غير المحاكَم محام اختاره بنفسه، فمن حقِّه توكيل محام تعيِّنه له سلطة قضائية أو سلطة أخرى في جميع الحالات التي تقتضي فيها مصلحة العدالة ذلك دون مقابل إذا كان لا يملك موارد كافية لدفع التكاليف. ويخضع الحرمان من الاستعانة بمحام لمراجعة مستقلة دون تأخير.

كذلك بالنسبة للقاعدة 120 فقد تضمنت هي الأخرى بندان رئيسيان وهما:

اولا :تخضع حقوق السجين غير المحاكَم في الاستعانة بمحاميه أو مقدِّم المساعدة القانونيــة للدفــاع عن نفســه والطرائــق المنظِّمــة للاستعانة بهما لنفس المبادئ المبيَّنة في القاعدة 61.

ثانيا:  تُوفَّر للسجين غير المحاكَم، بناءً على طلبه، أدوات الكتابة اللازمة لإعداد الوثائق المتعلقة بدفاعه، بما في ذلك التعليمات السرِّية الموجَّهة إلى محاميه أو الشخص الذي يقدِّم إليه المساعدة القانونية.

في الواقع ، هناك فجوات واسعة ما بين القوانين الوضعية التي وضعتها حكومة آل سعود والقانون الدولي لحقوق الإنسان اذ ثمة في القانون الذي وضعه نظام آل سعود إلغاء فادح لبعض ضمانات حقوق الإنسان، بما في ذلك غياب الحق في إخطار الآخرين باعتقال المرء، وفي مشاورة الدفاع، والحق في توجيه الاتهام بشكل سريع والتعجيل بالمحاكمة، وتوافر المطلوب لتحضير حجج الدفاع، والحق في الطعن في قانونية الاحتجاز.

العديد من أسماء معتقلي الرأي تبرز هنا ، نذكر منها الناشط محمد الشاخوري والمعتقل علي آل ربيع والأكاديمي عبد الرحمن الشميري، والمعتقل الدكتور علي ابو الحسن فضلا عن الناشطة الحقوقية المفرج عنها لجين الهذلول.

مع حرمانها من حقوقهم المشروعة في إخطار الآخرين باعتقالهم ومنعهم من توكيل محام والإلتقاء به ، لا يمكن تجاهل مدى خطورة أن يوصل هذا النظام المنتهك لكل الحقوق والحريات هؤلاء المعتقلون رهن التحقيق الى محاكمات كيدية بامتياز تحري خلف أبواب موصدة حيث يرتكز فيها على اعترافات انتزعت تحت وطأة التعذيب في ظل غياب محامين يدافعون عن معتقلين خضعوا طويلا لأبشع أنواع التعذيب النفسي والجسدي.

في الخلاصة ، لا تطبق قواعد نيلسون مانديلا في سجون النظام بل ما يطبق هو عكسها تماما ما ينذر بكارثة انسانية خطيرة تطال شريحة كبيرة من المدافعين عن حقوق الإنسان الذين بات يتهددهم شبح الموت البطيئ أو الإعدام دونما حسيب ولا رقيب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى