مقالات

مجلسٌ شكلي وتهميشٌ إضافي لقرار الشعب.. ماذا تعرف عن “الشورى السعودي”؟

تأسسَ عام 1924، وبدأ بـ12 عضواً، ليصل عدد أعضائه اليوم لـ150 عضواً ورئيسٍ للمجلس. هو مجلس الشورى السعودي الذي أسّسه عبدالعزيز آل سعود بهدف تقديم “المشورة” للحاكم. فكيف تحوّلت هذه إلى مجلسٍ شكلي لا تسمن قراراته وتوصياته ولا تغني من جوع؟

كيف يتم تشكيل المجلس؟

يُعَيَّن رئيس المجلس والأعضاء بقرارٍ ملكيٍ حصراًبحسب المادة الثالثة من نظام المجلس، والتي تنصّ على أن “يختار الملك الأعضاء من أهل العلم والخبرة والاختصاص”، أي أنه لا يتم انتخابهم أو اختيارهم من قبل الشعب بالاستفتاء أو الاقتراع، وبحسب المادة عينها، تُحدًّد “حقوق وواجبات وجميع شؤون هؤلاء الأعضاء”، بأمرٍ ملكي. وسمةُ التعيين الملكي هذه هي السائدة بشكلٍ تام تقريباً منذ تأسيس المجلس. وبحسب المادة 68 من نظام الحكم الأساسي فإنّ للملك أيضاً صلاحية حلّ المجلس وإعادة تكوينه.

إنّ من أهمّ مقوّمات ضمان وصول صوت الشعب للسلطة هو اختيار المواطنين لمن يمثّلهم في مجالس السلطة، وأوّل ثغرة في عمل مجلس الشورى هو تعيين أعضائه عبر الملك وليس عبر الشعب.

ما هي الصفة الفعلية للمجلس؟

يشارك مجلس الشورى الملك ومجلس الوزراء صفة السلطة التنظيمية في الدولة، أي أنه يعدّ جهة من ثلاث جهات تمثّل السلطة التنظيمية. ولكنّ قرار هذه السلطة يعود في نهاية المطاف للملك، بما يعني أنّ أي قرار يرفضه الملك فهو غير قابل للتنفيذ، وأي قرار يرشّحه الملك قابل للتنفيذ حتى لو لم يتم تحصيل موافقة مجلس الوزراء أو مجلس الشورى، أو كلاهما معاً.

بحسب المادة الخامسة عشر من نظام المجلس، فإن مهمّة المجلس هي “إبداء الرأي” في السياسات العامة للدولة، أو “تقديم الاقتراحات”، أي أنّ قرارات هذا المجلس ليست مُلزِمة ويمكن تخطّيها، والصفة الأساس للمجلس هي الصفة “الاستشارية”.

وجديرٌ بالذكر أنه ليس من صلاحيات المجلس أن يستدعي بقرارٍ خاص أي مسؤول حكومي لمساءلته حول أمور تتعلّق باختصاصه، بل تنصّ المادة الثانية والعشرون من نظام المجلس على أن يرفع رئيس المجلس طلباً لرئيس مجلس الوزراء لحضور أي مسؤولٍ حكومي لجلسات مجلس الشورى.

إذاً فالمقترحات التي يقدّمها المجلس لا تعدو كونها آراء قد يؤخذ بها وقد لا يؤخذ، وفي أفضل الأحوال هي “توصيات” لا تُلزِمُ أية جهة بتطبيقها أو اعتمادها، ويبقى قرار الملك في نهاية المطاف هو القرار الفعلي.

ماذا ينتظر الشعب من مجلس الشورى؟

في الدول التي لا برلمان لديها كدولتنا، يرى المواطنون في مجلس الشورى الجهة التي ستكون صوتهم أثناء التشريع ومناقشة شؤونهم ومتابعة أزماتهم، وفي الوقت نفسه ينتظرون منه أن يقوم بدورٍ رقابي على الحكومة وعملها.

المشكلة هنا أن المجلس لا صلاحيات ولا دور أساسي له، لذا فإن المواطن في السعودية لم يعد يأمل أن يصل صوته للسلطة عبر مجلس الشورى ولا أن ينطق الشورى باسمه ولا أن يقوم بأي إجراء من شأنه أن يحلّ مشكلة أو يعالج معضلة، لذا صار المواطن يتعامل مع مجلس الشورى كهيئة شكليّة اختلقها الحاكم ليُبعِد عن نفسه تهمة التفرّد بالقرار. ولم يُفلِح في درء هذه التهمة الواقعية، كونه وبحسب مواد نظام الحكم نفسه، فالملك هو مرجع السلطات الثلاث في الدولة. فكيف تقوم دولة بأمها وأبيها على قرار فردٍ؟

هل المشكلة في نقص الصلاحيات أم تقصير المجلس؟

انطلاقاً من حقيقة أن المجلس يُراد له أن يكون شكلياً، فقد لا يمكن لومه أو لوم أعضائه، ولكن إذا تمعّنّا في عمل هذا المجلس نرى أنه بالإضافة إلى نقص صلاحياته فإنه مقصّر في أداء مهامه ومتقاعس في كثير من الأحيان.

يمتنع المجلس، في أكثر من حالة، عن اقتراح ما من شأنه أن يعود بالفائدة على المواطن أو يرفض هذه المقترحات، وعلى العكس يقدّم المجلس توصيات ويوافق على مقتراحات تضرّ المواطن، على سبيل المثال القرارات المتعلّقة بتوطين الوظائف أو بالسماح للموظفين الحكوميين بمزاولة التجارة.. وغيرها من القضايا.

قد يقول البعض أن المشكلة مشكلة صلاحيات، لكنّ أداء المجلس يدلّ على أنه هناك مشكلة أبعد من مسألة الصلاحيات، وبحال سلّمنا جدلاً بأن العائق الوحيد هو الصلاحيات، فإننا نستذكر جملة للكاتب صالح الشيحي في إحدى مقابلاته حين قال تعليقاً على هذه المسألة: “يقول أنا ما عندي صلاحيات.. يا أخي الحقوق تُنتَزع.. من عشرين سنة ما عندك صلاحيات.. إذا ما عدنا صلاحيات ننام؟! يا أخي إعقد جلسة! أطلب! لمّا نسألك بعد ما تطلع من مجلس الشورى اشسويت اشقدّمت؟ يقلّك أنا ما عندي آلية أصلاً، إنت تنتظر يمنحوك الآلية؟ إنت انتزعها للآلية يا أخي! إطلع روح للملك قلّه أبغى آلية أبغى أعمَل هذه بلدي!”.

ماذا لو وُسّعت صلاحيات المجلس؟

طبعاً هو أمر جيد أن يتم تكثيف صلاحيات المجلس، لكن يبقى هذا الأمر دون جدوى طالما أن أعضاء هذا المجلس يتم اختيارهم من قبل الملك حصراً، وطالما لم يضمن الشعب أن هؤلاء الأعضاء يمثّلونهم حقاً ويمثّلون همومهم وشجونهم وتطلّعاتها وطموحاتهم.

 في السعودية لا وجود لمجلس الشورى سوى شكلياً، الشعب لا دور له في اختيار أعضائه وبذلك فهو لا يمثلهم ولا يعبّرعنهم. من هذا المنطلق نطالب السلطات السّعودية بتعديل قوانينها وإعطاء الشّعب حقهم في انتخاب أعضاء المجلس، لجعل الشورى مجلساً يمثل المواطنين ويُسهم في إيصال صوتهم والمطالبة بحقوقهم بدلاً من الوقوف ضد مصالحهم، فيكون المواطن شريكاً في صناعة القرار وذو دورٌ فعّال في تطوير وازدهار البلاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى