621 0 2014-09-10

وطن بين صورتين

بقلم : علي الشرياوي صورة غلاف الكتاب أحد الدلالات الرئيسية التي تشكل الانطباع الأول عنه، حيث تندمج الصورة بالعنوان والخطوط بالألوان المختارة، ليؤلف ذلك الخليط صورة ذهنية للمتلقي، تقتحم عالمه وتعطيه دلالة استهلالية لما يمكن أن يتوقعه منه، ارتباط في مجمله نتاج خبرات سابقة وقراءات قبلية

بقلم : علي الشرياوي

صورة غلاف الكتاب أحد الدلالات الرئيسية التي تشكل الانطباع الأول عنه، حيث تندمج الصورة بالعنوان والخطوط بالألوان المختارة، ليؤلف ذلك الخليط صورة ذهنية للمتلقي، تقتحم عالمه وتعطيه دلالة استهلالية لما يمكن أن يتوقعه منه، ارتباط في مجمله نتاج خبرات سابقة وقراءات قبلية. وللصورة في عصرنا سلطتها، بل أصبحت السلطة الأولى التي يمكنها أن تغير في معطيات الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية، ولها القدرة على نقل الرسالة. وللأوطان صورها الرمزية المعبرة عنها حتى دون الاشارة الكتابية لها، فصورة البيت الحرام أو المسجد النبوي أو مسجد الصخرة أو الأهرامات أو سواها من الصور تحيلنا إلى البلد المعني مباشرة، فالمدن والرموز والشخصيات والتراث الاجتماعي والثقافي والطبيعة بل وحتى الحيوانات أيقونات تنقلنا مباشرة إلى المعني من البلدان.

«الصورة» الأزمة، التي تم تداولها لكتاب التربية الاسلامية للصف الأول الابتدائي والتي قامت قيامة البعض من أجلها لوجود صورة لشخصية من أحد مناطق الوطن طبعت على غلافه، والتي جاءت المطالبات بسحب الكتاب الدراسي بعد توزيعه لأنه يشكل «خطر» على العقيدة والوطن!. فما تلك العقيدة التي هي في خطر، وما الوطن الذي تفتته صورة؟!، أسبغوا علينا من وعيكم وحصافتكم لنحذر نحن أيضا ونتدارك ذلك الخطر، فربما كانت تلك الصورة سلاحاً سريا لم يكتشفه أحد سواكم!.

إنها ليست سوى صورة من الوطن الذي يمتد من ساحل الخليج العربي إلى البحر الأحمر ومن حدود الأردن إلى اليمن، صورة محلية لقطت في برنامج تربوي وفي نشاط تعليمي، ذات دلالة تربوية ورسالة أخلاقية، صورة مثّلت مكون رئيس لهذا الوطن «الإنسان»، قبل أي تصنيف طائفي أو مناطقي أو قبلي، صورة الإنسان باعتباره أهم مكونات الأوطان، صورة إن افترضنا لها دلالة لمنطقة أو عرق أو مذهب، فهذه المنطقة أو العرق أو المذهب مكون أصيل وثابت في هذا الوطن، بل وفي المراتب الأولى من مكوناته.

والاستجابة لضغوط التطرف بسحب الكتاب فقط كون الصورة لا تمثلهم أو تجسد رؤيتهم، فإن الوطن حين ذاك لن يكون وطنا لجميع أهله، ولا يمثل كل شرائحه ولا يؤسس لوطن تتعدد فيه الهويات الأيديولوجية. فشعار «الوطن للجميع» يؤسس للتعدد، واختطاف الوطن من طائفة وإن كبرت أمر يجب مراجعته، الوطن المثال والصورة الأكمل له التي نأمل حاضنة ك «أم» لجميع أبنائها، يتسع لاختلافهم ويتزين بتلونهم ويزدهر بتنوعهم، ومحاولة تعميم لون أيديولوجي يلغي غيره من الألوان فعل لا يتسق والعقلانية وثبت فشله على مر التاريخ، التنوع أساس الحياة والتعدد جمالها، وتلك هي الصورة التي تسعد رائيها، وهي الصورة التي نريد.

وخطاب الكراهية واللغط المصاحب للحملة على الكتاب المدرسي خطاب تأزيم وظاهرة مرضية يلزم معالجتها، والتغاضي عنه ينذر باستفحال التطرف المستفحل بالفعل، ويجد له أرضية صالحة في تلك الدعوات والإثارة المراد منها التجييش والفرقة، وإن كان هناك ما يحتاج لمراجعة في المناهج الدراسية فهي التفسير الديني للدين الخاضع للتيار السلفي، وما تحويه المناهج من تكفير وتفسيق وإقصاء لبقية المذاهب والفرق الأخرى.

«المستعد للشيء تكفيه أضعف أسبابه» - ابن سينا

مقالات ذات صلة
كاريكاتير سعودي يثير ضجة لإساءته للوافدين في المملكة
تراجع مكانة السعودية إقليمياً ودولياً في ظل سياسات ابن سلمان
يتجنب السعوديون "صنع في تركيا" مع اشتداد التنافس
دبلوماسي أمريكي سابق: هكذا قفز بن سلمان للسلطة على حساب أبناء عمومته
حث العرب على تطبيع العلاقات مع "إسرائيل"
آل سعود يستخدمون منبر الحرم المكي كأداة للتطبيع