المواطن المطبع

  • مقالات

    كيف تحولت المنظومة التعليمية في النظام السعوديمن منارة للوعي إلى أداة لفرض الواقع؟ 

    إن استمرار الأزمات التعليمية في النظام السعودي لعقود متواصلة، رغم توفر الإمكانات المادية الأسطورية، ورغم سيل النقد العلمي والعلني في الوسائل الرسمية وشبكات التواصل الاجتماعي، يضعنا أمام تساؤل بنيوي حاسم:  هل هذا التراجع مجرد تعثر في التنفيذ، أم أنه هندسة اجتماعية وسياسية متعمدة؟  تساؤل مشروع يكشف كيف يسير الخلل المادي للمنشآت يداً بيد مع الجمود الفكري للمناهج والعقم الأكاديمي للجامعات، ليشكلوا معاً حلقة دائرية مغلقة، الغاية منها:  1- صناعة “المواطن المطيع” المستهلك، المنشغل بنفسه عن أمور الوطن ومستقبله.2- سحق “المواطن الفاعل” الحر، الساعي للتغيير والإصلاح، والطموح إلى صناعة المستقبل الزاهر.  واختزال جيل كامل في خانة التابع الذي ينشغل بلقمة عيشه عن التطلع إلى المشاركة السياسية، وحرية الرأي، وإدارة مستقبل وطنه.  ولأجل تفكيك هذه المنظومة ومعرفة كيف تُدار، لا بد من الولوج إلى عمق الأزمة عبر ثلاثة أبعاد متكاملة:  1- البيئة المادية: التطويع البدني والنفسي المبكر  إن إصرار النظام السعودي على إبقاء المباني القديمة، والمباني المستأجرة المتهالكة، والفصول المكدسة بـ40 طالباً أو أكثر، يزرع في وجدان الطفل قبول التضييق والتهميش كوضع طبيعي لا تجوز الشكوى منه. فغياب المساحة الشخصية للطالب داخل الفصل ينعكس سلباً على شعوره بالتميز، ويحوله إلى مجرد رقم مجهول داخل هذا العدد من الطلاب، مما يسهل التحكم به وتوجيهه جماعياً لاحقاً.  وفي الوقت نفسه، يصبح المعلم أداة للضبط القمعي، وإنهاك المعلم في السيطرة على فوضى الفصل يحوله من تربوي إلى “مدير أزمة”، يضطر إلى استخدام سلطته لإسكات التساؤلات، مما يرسخ في روع الطالب الخوف المستمر من سلطة الإدارة.  وعند اجتماع هذين العاملين، تتلاشى مهارات القيادة والمبادرة وتضعف لدى الطلاب والمعلمين، فتدمير البيئة المادية والساحات يمنع الطلاب من ممارسة الأنشطة الحرة والعمل الجماعي المستقل، وهي البيئة التي تُبنى فيها شخصية القائد الفاعل في مجتمعه.  2- فرض المناهج التعليمية التلقينية  يسعى النظام السعودي إلى إبقاء القدرة على التفكير والتحليل ضعيفة: والإبقاء على أسلوب الحفظ والاجترار الذي يحول الطالب إلى وعاء مستهلك يتلقى الأوامر والمعلومات لصبها في ورقة الاختبار، دون امتلاك الحق أو القدرة على التشكيك والتفكيك.   تغييب الحقوق والمفاهيم المدنية: يتعمد النظام السعودي تغييب مواد الفلسفة والمنطق والدراسات الحقوقية والدستورية، ليحرم الأجيال من امتلاك “اللغة والمصطلحات” اللازمة لفهم معنى “المواطنة الفاعلة” والمساءلة السياسية.   اختزال المواطنة في الولاء المطلق: تُصاغ المناهج لفرض حب الملك والطاعة العمياء له، والامتثال الأعمى لقراراته، مع صبغ أي فكر نقدي أو مطالبة إصلاحية بصبغة الخيانة أو الخروج عن الصف.   حظر التعددية الفكرية: صهر عقول الطلاب في قالب فكري أحادي وموجه، يضمن تخرج جيل تُملى عليه مواقف النظام السياسية والاجتماعية، ويفكر النظام نيابة عنه، ويمنعه من التفكير خارج هذا الإطار.   3- التعليم الجامعي والعالي: تطويق النخب وهندسة التخصصات  • إنتاج “أدوات إنتاج” لا قادة فكر: التركيز على بعض التخصصات المهنية أو التقنية البحتة لإنتاج عمالة تسد حاجة السوق الاقتصادية، مع تهميش العلوم الإنسانية والسياسية الحرة التي تبني الوعي وتصنع قادة الرأي.  • عقم الدراسات العليا والأبحاث: توجيه أبحاث الماجستير والدكتوراه نحو مواضيع وصفية أو بيروقراطية آمنة، وحظر الأبحاث الميدانية الجريئة التي تفكك الأزمات السياسية والاقتصادية الحقيقية للمجتمع.  • ربط الطموح بالشهادة والوظيفة: تحويل الجامعة من منارة للتنوير الفكري إلى مجرد “ممر روتيني” للحصول على وثيقة تعيين، مما يربط طموح الشاب بالاستقرار المادي الشخصي ويصرفه عن هموم الشأن العام وبناء مستقبل الوطن.  • تدجين النخب الأكاديمية وصناعة الصمت: فرض رقابة صارمة على أطروحات ومواقف أساتذة الجامعات، مما يحرم المجتمع من طليعة فكرية وثقافية تقود حراكه نحو التطوير والمطالبة بالمشاركة في اتخاذ القرار. …

    أكمل القراءة »
زر الذهاب إلى الأعلى