محاكمة صورية

  • مقالات

    النظام السعودي والمحاكم الصورية

    يُعدّ القضاء المستقل أحد الركائز الأساسية لدولة القانون، إذ تضطلع المحاكم العادلة والمستقلة بدور جوهري في حماية الحقوق والحريات، وضمان خضوع السلطة للقانون، وتحقيق التوازن بين حماية النظام العام وصون كرامة الإنسان.  غير أن النظام السعودي المستبد عمد، عبر تاريخه الطويل، وبالخصوص في عهد محمد بن سلمان، إلى إعادة توظيف المؤسسة القضائية وإخضاعها لأهداف سياسية، بحيث لم يعد القضاء يؤدي وظيفته الطبيعية كسلطة مستقلة ومحايدة، بل أصبح أداة من أدوات السيطرة والإرهاب والتهديد السياسي.  تعريف المحاكم الصورية  المحاكم الصورية هي إجراءات أو هيئات قضائية تُنشأ أو تُستخدم لإضفاء مظهر قانوني على قرارات سياسية وأمنية مسبقة، بحيث تبدو المحاكمة مستوفية للشكل القضائي، بينما تفتقر في جوهرها إلى مقومات العدالة والاستقلال والحياد.  ولا يعني وصف المحكمة بأنها «صورية» أنها غير موجودة ماديًا أو أن إجراءاتها لا تُجرى، بل يعني أن الوظيفة الحقيقية للقضاء فيها تصبح شكلية؛ إذ تتحول المحكمة من جهة مستقلة لإقامة العدل والدفاع عن حقوق المواطنين إلى أداة لإضفاء الشرعية على إرادة السلطة، ومعاقبة الخصوم السياسيين، وتجريم أصحاب الرأي، وإسكات أصوات المعترضين.  تبرز ظاهرة المحاكم الصورية في النظام السعودي بوصفها أحد مظاهر إساءة استخدام العدالة، حيث تُمنح الإجراءات القضائية مظهرًا شكليًا يوحي باحترام القانون، في حين تفتقر المحاكمات في جوهرها إلى الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة، مثل استقلال القضاء، وحياد المحكمة، وحق الدفاع، وقرينة البراءة، والمساواة أمام القانون.  والمشكلة في استغلال النظام السعودي لهذه المحاكم لا تكمن في غياب الشكل القضائي، بل في انفصالها عن مضمون العدالة، وتحول القضاء من وسيلة لحماية الحقوق إلى وسيلة لإضفاء المشروعية على قرارات سياسية وأمنية مسبقة.  وتكشف التقارير الحقوقية عن علاقة وثيقة بين تسييس القضاء وتقويض سيادة القانون في النظام السعودي، إذ يستخدم المحاكم الصورية لملاحقة المعارضين السياسيين، وتقييد الحريات العامة، وترهيب المجتمع المدني، وإعادة إنتاج هيمنة السلطة تحت غطاء قانوني.  انتهاكات المحاكم الصورية ومخاطرها  تتضمن المحاكم الصورية التي يستخدمها النظام السعودي انتهاكات جوهرية لمبادئ العدالة وحقوق الإنسان، ومنها:  1-  غياب استقلال القضاء: إن خضوع المحاكم لتوجيهات النظام السياسي والأمني يحولها من جهات قضائية إلى أدوات لتنفيذ القرار السياسي.  2- إصدار أحكام مسبقة: عندما تكون نتيجة المحاكمة محددة قبل بدء الإجراءات، تصبح الجلسات مجرد غطاء لإعلان الأحكام التي اتخذها النظام الأمني مسبقًا.  3- تقييد حق الدفاع: من خلال منع المحامين من الاطلاع على الملفات، أو منع المعتقل من الدفاع عن نفسه، أو رفض طلبات قانونية أساسية.  4- استخدام الاعترافات القسرية: حيث تعتمد المحاكم الصورية على أدلة انتُزعت تحت الضغط أو التعذيب الشديد، وباستخدام أساليب غير قانونية.  5- تقويض الثقة في العدالة: عندما يصبح القضاء أداة سياسية بيد السلطة الأمنية للنظام السعودي، يفقد المجتمع ثقته بمؤسسات الدولة وبسيادة القانون.  أهداف النظام السعودي من المحاكم الصورية  يسعى النظام السعودي من خلال هذه المحاكم إلى الجمع بين ممارسة القمع والحفاظ على صورته الخارجية باعتباره يحترم القانون والمؤسسات. فهو لا يلغي القضاء، بل يعمل على إفراغه من استقلاله ووظيفته الأساسية، بحيث يصبح الحكم القضائي أداة لإضفاء الشرعية على تحقيق أهداف سياسية وأمنية، من أبرزها:  1- تغييب الحقائق وإظهار الأحكام الصادرة باعتبارها نتيجة «حكم قضائي»، بهدف خداع الرأي العام، وتقليل الانتقادات الدولية، وتجنب اتهامه بتسييس القضاء.  2- يستخدم النظام السعودي هذه المحاكمات لإسكات المعارضة والمنتقدين من خلال السجن، وإصدار الأحكام المغلظة، والمنع من النشاط السياسي. …

    أكمل القراءة »
زر الذهاب إلى الأعلى