مقالات

الحويطات… الثمن الذي لا يُسترد

 

حين أعلن محمد بن سلمان عام 2017 عن «نيوم» مدينةً للمستقبل، لم يُسأل الذين عاشوا على تلك الأرض منذ أجيال إن كانوا يقبلون أن يصبحوا من الماضي. فقد جاء القرار جاهزًا: على أهالي “شرما” و”قيال” و”الخريبة” من أبناء قبيلة الحويطات أن يُهجَّروا، وأن تُهدم بيوتهم قسراً. 

من حق المواطن أن يعيش في أرضه وبيته، وأن يعترض دون أن يُعاقَب، وأن يُعوَّض تعويضًا عادلًا إن كان لا بد من التهجير القسري. لكن الذي حدث كان عكس ذلك كله. ففي 13 أبريل 2020، قُتل عبد الرحيم الحويطي برصاص قوات الأمن السعودي في بيته بالخريبة، بعد أن أعلن علنًا رفضه التهجير القسري. وفي عام 2024 كشف ضابط استخبارات سابق أن الأوامر الصادرة حينها نصّت على قتل من يواصل رفض الإخلاء القسري. 

ولم يتوقف الأمر عند القتل والإرهاب الجماعي، فقد اعتُقل أقارب عبد الرحيم وعدد من أبناء القبيلة، ووُجّهت إليهم تهم «إرهاب» لأنهم رفضوا الرحيل أو تحدثوا عمّا جرى. وفي عام 2022 صدرت أحكام بالإعدام بحق شادلي وعطاالله وإبراهيم الحويطي، وأيّدتها محكمة الاستئناف مطلع 2023، إلى جانب أحكام بالسجن عشرات السنين بحق آخرين. ولم يُعلَن عن مصير المحكومين بالإعدام منذ ذلك الحين. 

فلماذا يُعامل من تمسك ببيته وأرضه كأنه جريمة إرهابية؟ في الوقت الذي لم يكن فيه مشروع «نيوم» مشروعًا تنمويًا يُناقَش لخدمة أبناء المنطقة، بل مجرد طموح شخصي لمحمد بن سلمان، ومن يعترض عليه يُعامَل كمن يتحدى السلطة نفسها ويصنف إرهابياً. 

واليوم، بعد سنوات من التهجير القسري والقتل والهدم، تتحدث التقارير عن فشل المشروع تحت عنوان إعادة مراجعة شاملة لجدوائية المشروع، وعن تأجيل العمل في «ذا لاين» إلى ما بعد عام 2030، وتقليص أعداد السكان المتوقعة فيه إلى جزءٍ صغير مما وُعد به. تراجع الوعد لن يُرجع الثمن الذي دفعه أهالي الحويطات: فالبيوت هُدمت، وأصحابها قُتلوا أو هُجّروا قسرياً، والمعتقلون ما زالوا خلف القضبان. 

إن المسؤول الأول والأخير عن هذه المأساة هو النظام السعودي، فهو يتحمل المسؤولية الكاملة عن التهجير القسري لأهالي الحويطات، وعن قتل عبد الرحيم الحويطي، وعن سجن أبناء القبيلة والحكم عليهم بالإعدام. 

وعليه، تطالب لجنة الدفاع عن حقوق الإنسان النظام السعودي بإلغاء أحكام الإعدام الصادرة بحق أبناء الحويطات، والإفراج عن جميع المعتقلين منهم، والكشف عن مصيرهم، وفتح تحقيق مستقل في مقتل عبد الرحيم الحويطي، وتعويض المهجّرين تعويضًا عادلًا، وضمان حقهم في العودة أو في سكن بديل لائق يختارونه. كما تطالب اللجنة الأمم المتحدة بمتابعة ملف التهجير القسري المرتبط بمشروع «نيوم». قد يُلغى مشروع نيوم كلياً أو يتقلّص، لكن الحق في الحياة وفي الأرض التي انتُزعت والدم الذي سال لا يسقطان بالتقادم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى