في السعودية… حين يُعتقل المواطنون، تبدأ معاناة العوائل

يضاعف النظام السعودي معاناة معتقلي الرأي؛ فإضافةً إلى الانتهاكات الكثيرة بحق معتقلي الرأي، من الاعتقال التعسفي، إلى إجبارهم على القبول بالتهم الموجّهة إليهم تحت التعذيب، إلى المحاكم الشكلية، والقضاء المسيّس، والأحكام التعسفية والمغلّظة، تبدأ مأساة جديدة عائليًا واجتماعيًا.
فاعتقال أصحاب الرأي لا ينتهي عند باب السجن، ولا تتوقف آثاره عند الشخص الذي سُلبت حريته. ففي كثير من الحالات، يبدأ مع الاعتقال فصلٌ آخر من المأساة، تعيشه أسرة كاملة بصمت، وتتحمل تبعاته النفسية والإنسانية والاجتماعية والمادية.
حين يُعتقل الأب، لا يغيب الأب وحده؛ بل يغيب السند، وتغيب الرعاية، ويغيب الحنان الذي يحتاجه الأبناء كل يوم.
وحين يُعتقل الابن، يعيش الأم والأب ألمًا لا يشبهه ألم؛ فهما لا يفقدان فقط وجود ابنٍ بينهما، بل يعيشان الخوف على سلامته، وعلى صحته، وعلى مستقبله، وقد تمر الشهور والسنوات دون أن يعرفا الحقيقة.
وحين يُعتقل الأخ، تفقد الأسرة جزءًا من وجودها اليومي، وتتحول الذكريات والانتظار إلى عبء نفسي ثقيل.
أما الزوجة، فقد تجد نفسها فجأة أمام مسؤوليات الحياة وحدها، محرومة من شريكها، ومن دعمه وحنانه ورعايته، بينما تتحمل أعباء الأسرة والأبناء في ظل ظروف قاسية من القلق والخوف وعدم اليقين.
وقد تفقد الأسرة، نتيجة اعتقال معيلها، مصدر دخلها الأساسي، فتجد نفسها أمام أعباء المعيشة والتعليم والعلاج والاحتياجات اليومية، دون أن تكون قد ارتكبت أي ذنب أو شاركت في أي فعل يستوجب أن تتحمل هذه المعاناة.
هذه خسائر إنسانية يتحمل مسؤوليتها النظام السعودي، فلا يمكن قياسها بالأرقام، ولا يمكن اختصارها في ملف أو رقم اعتقال.
معاناة العوائل لا تتوقف عند غياب المعتقل
والأشد قسوة أن تُحرم الأسرة من أبسط حقوقها: معرفة مكان المعتقل، والاطمئنان على وضعه الصحي، ومعرفة وضعه القانوني، ومعرفة ما إذا كان يتلقى الرعاية التي يستحقها ويحظى بحقوقه الأساسية.
أن يعيش الأب أو الأم أو الزوجة أو الأبناء وهم لا يعرفون أين يوجد أحباؤهم، أو ما الذي يحدث لهم، هو شكل من أشكال المعاناة اليومية التي لا تنتهي بانتهاء ساعات النهار.
قد تمر أسابيع وشهور، وربما سنوات، والأسرة عالقة في دائرة من الانتظار والقلق.
كل مكالمة هاتفية تصبح لحظة خوف.
كل خبر يصبح مصدر قلق.
وتعيش الأسرة بين أمل عودة من تحب، وخوف من وصول خبر لا تستطيع احتماله.
إن هذه المعاناة يجب ألا تُعامل باعتبارها أثرًا جانبيًا للاعتقال، بل يجب الاعتراف بها باعتبارها مأساة إنسانية وحقوقية مستقلة تمس حقوق وكرامة أفراد الأسرة أنفسهم.
فالأسرة لا تُعتقل، لكنها تعيش تبعات الاعتقال يومًا بعد يوم، وتزداد هذه التبعات بمرور السنوات.
الأطفال لا ذنب لهم، والآباء والأمهات لا ذنب لهم، والزوجات والإخوة لا ينبغي أن يتحولوا إلى ضحايا لمعاناة لم يختاروها.
حين تتحول العائلة نفسها إلى هدف للضغط والترهيب
إن ممارسات النظام السعودي لا تتوقف عند هذه الانتهاكات اللاإنسانية بحق عوائل المعتقلين، بل تتحول الأسرة نفسها إلى هدف للضغط والترهيب.
فبدلًا من أن يكون كشف الانتهاكات والمطالبة بحقوق المعتقلين حقًا مشروعًا، تتعرض عائلات المعتقلين لضغوط وتهديدات من قبل الأجهزة الأمنية التابعة للنظام السعودي لإجبارها على الصمت، ومنعها من الحديث إلى وسائل الإعلام أو الكشف عمّا يتعرض له المعتقلون من انتهاكات.
من خلال التلويح بـ:
تغليظ الأحكام على المعتقلين.
زيادة التعذيب وسوء المعاملة بحقهم.
تهديد أفراد أسرهم بالاعتقال والملاحقة.
وهكذا تجد عوائل المعتقلين نفسها أمام مأساة مزدوجة:
إن تحدثت، تخشى أن يدفع المعتقل الثمن.
وإن صمتت، تبقى الانتهاكات خلف جدران الصمت.
إن هذا النوع من الترهيب الذي يمارسه النظام السعودي لا يستهدف فردًا واحدًا فقط؛ بل يستهدف إسكات عوائل كاملة، وخنق صوت الحقيقة، ومنع المجتمع من معرفة ما يحدث خلف أبواب السجون ومراكز الاحتجاز، أو الدفاع عن مظلوميتهم.
إن استخدام المعتقلين وسيلةً لتهديد عوائلهم، أو استخدام العوائل وسيلةً للضغط على المعتقلين، يمثل انتهاكًا خطيرًا للكرامة الإنسانية، ويضاعف معاناة المعتقلين، ويخلق دائرة من الخوف تمتد من المعتقلين إلى والديهم وزوجاتهم وأبنائهم وإخوتهم.
فالعوائل التي تعيش أصلًا ألم الغياب، والفقر، والخوف، وعدم معرفة المصير، لا ينبغي أن تُجبر أيضًا على الاختيار بين سلامة أحبائها وبين حقها في الكلام وطلب العدالة وكشف الحقيقة.
إن هذه الممارسات تزيد ألم العوائل، ولا تحمي الحقيقة؛ بل تدفعها إلى مزيد من الظلام.
العوائل جزء من المأساة… ولها حقوق يجب أن تُحمى
لذلك، فإن حماية حقوق المعتقلين يجب أن تشمل أيضًا حماية عائلاتهم من الترهيب والانتقام والملاحقة بسبب مطالبتهم بحقوق ذويهم أو كشف الانتهاكات التي يتعرضون لها.
فالعوائل لا تُعتقل، لكنها قد تعيش تبعات الاعتقال يومًا بعد يوم، بل تزداد هذه التبعات بمرور السنوات.
فالحرية حق، والكرامة حق، ومعرفة مصير الإنسان حق… والعوائل التي تنتظر ليست رقمًا هامشيًا في قضية، بل هي جزء من المأساة التي يجب أن تُسمع ويُعترف بها.
لذا نطالب النظام السعودي المستبد بالأمور التالية:
وقف الانتهاكات والتهديدات التي تُمارس بحق عوائل المعتقلين لإجبارهم على الصمت فورًا.
الكف عن استخدام المعتقلين وعائلاتهم أدواتٍ للضغط والترهيب والعقاب.
احترام حقوق المعتقلين وعوائلهم وكرامتهم.
وقف التهديد والانتقام ممن يطالب بحقوق معتقلي الرأي.
فسح المجال لعوائل معتقلي الرأي لممارسة حقهم في إيصال مظلوميتهم إلى المنظمات الحقوقية.




