قراءة حقوقية في أوضاع معتقلي الرأي في السعودية

في أي نظامٍ يُفترض أنه يقوم على سيادة القانون، لا تُحوَّل الفكرة إلى جريمة، ولا يُجرَّم التعبير السلمي بوصفه تهديداً للأمن. غير أن واقع معتقلي الرأي في السعودية يكشف عن نمطٍ منهجي من الانتهاكات الجسيمة، حيث يُستهدف المواطن في السعودية بسبب كلمة، أو رأي، أو نشاط سلمي، ثم يُدفع قسراً إلى مسارٍ من الانتهاكات يبدأ بالاعتقال التعسفي، ويمرّ بإنكار الضمانات القانونية، ولا يتوقف عند صدور الأحكام، بل يمتد داخل أماكن الاحتجاز على شكل معاملة قاسية ومهينة، وأحياناً تعذيب، في انتهاكٍ صارخٍ لكرامة الإنسان ولأبسط قواعد العدالة.
أولاً: من هم معتقلو الرأي؟ ولماذا يُعتقلون؟
يُقصد بمعتقل الرأي كل شخص يُحرم من حريته بسبب ممارسته السلمية لحقوقه الأساسية، وعلى رأسها حرية الرأي والتعبير. ولا يُحتجز هؤلاء بسبب أفعال مجرّمة وفق معايير قانونية واضحة، بل بسبب:
التعبير السلمي عن آراء سياسية أو اجتماعية.
انتقاد السياسات العامة أو أداء المؤسسات الرسمية.
الدفاع عن حقوق الإنسان أو المطالبة بالإصلاح.
الانخراط في نشاطات سلمية أو حملات حقوقية مشروعة.
وتكمن الإشكالية الجوهرية في الاستغلال التعسفي للنصوص القانونية، عبر استخدام مصطلحات فضفاضة وغير منضبطة مثل “الإضرار بالنظام العام” أو “إثارة الفتنة”، بما يخالف مبدأ الشرعية الجنائية الذي يقتضي وضوح الجريمة والعقوبة، ويُحوّل القانون من أداة حماية إلى وسيلة قمع.
ثانياً: مسار الانتهاك يبدأ قبل السجن
لا تبدأ معاناة معتقل الرأي عند دخوله السجن، بل منذ اللحظة الأولى للاعتقال، حيث تتكرر أنماط من الانتهاكات الإجرائية التي ترقى إلى مستوى الاعتقال التعسفي، ومنها:
احتجاز الشخص دون إبلاغه بأسباب التوقيف، أو دون عرضه فوراً على جهة قضائية مستقلة.
حرمانه من حقه في الاستعانة بمحامٍ، أو تقييد التواصل مع أسرته.
إخضاعه لجلسات تحقيق مطوّلة تترافق مع ضغوط نفسية ومعنوية تهدف إلى انتزاع اعترافات قسرية.
الاعتماد على تلك “الاعترافات” كدليل إدانة، مع تجاهل تام لادعاءات الإكراه أو سوء المعاملة.
وتُعدّ هذه الممارسات انتهاكاً مباشراً لحق الإنسان في محاكمة عادلة، وتقويضاً لمبدأ افتراض براءة المتهم حتى تثبت إدانته وفق إجراءات قانونية سليمة.
ثالثاً: داخل السجن… انتهاك الكرامة الإنسانية
في قضايا الرأي، لا تؤدي السجون دورها المفترض كمؤسسات خاضعة للقانون، بل تتحوّل إلى أماكن يُمارَس فيها الترويع المنهجي بحق المعتقلين. وتشمل الانتهاكات المسجّلة أنماطاً متعددة من المعاملة القاسية أو اللاإنسانية، من بينها:
التنكيل النفسي عبر التهديد المستمر، والإذلال، والعزل الانفرادي المطوّل، أو الحرمان من الزيارة والتواصل.
الإهمال الطبي المتعمّد أو تقييد الوصول إلى الرعاية الصحية، بما يشكّل خطراً مباشراً على حياة المعتقل.
فرض عقوبات انضباطية تعسفية دون إجراءات قانونية واضحة أو آليات طعن مستقلة.
ممارسات تمسّ الكرامة الإنسانية، وتضع المعتقل في حالة شعورية دائمة بأنه خارج أي حماية قانونية.
التعرّض للتعذيب الجسدي أو لسوء معاملة جسدية ونفسية، في انتهاكٍ صريحٍ للحظر المطلق للتعذيب.
استخدام الحبس الانفرادي لفترات طويلة دون ضرورة أو مبرّر قانوني، رغم ما له من آثار نفسية خطيرة.
ولا تقف آثار هذه الانتهاكات عند حدود المعتقل، بل تمتد إلى أسرته، التي تعيش تحت وطأة القلق الدائم، وغياب المعلومات، والخوف من الملاحقة أو الانتقام، بما يشكّل شكلاً من أشكال العقاب الجماعي غير المعلن.
رابعاً: القضاء والأحكام في قضايا الرأي… مسار شكلي وعدالة غائبة
لا تكتمل منظومة الانتهاك بحق معتقلي الرأي عند حدود الاعتقال أو ظروف الاحتجاز، بل تبلغ ذروتها داخل قاعات المحاكم، حيث تتحوّل المحاكمة من ضمانة للعدالة إلى إجراء شكلي يُستخدم لإضفاء غطاء قانوني على قرارات مسبقة.
ويتجلّى ذلك من خلال:
أحكام مُعدّة سلفاً لا تتأثر بمرافعات الدفاع أو أقوال المتهم.
غياب الاستماع الحقيقي للمتهم وتحويل الجلسات إلى إجراءات صورية وسريعة.
تقويض استقلال القضاء وتحويل القاضي إلى منفّذ لقرار جاهز.
الحرمان المنهجي من الحق في الدفاع عبر منع المحامين أو تهديدهم أو تفريغ دورهم من مضمونه.
الاعتماد على اعترافات قسرية دون التحقيق في ظروف انتزاعها.
أحكام قاسية ومفرطة وغير متناسبة، تتراوح بين السجن لسنوات طويلة، وأحكام تمتد لعقود، وصولاً إلى أحكام الإعدام، لمجرّد التعبير السلمي عن الرأي.
إن هذه المحاكمات لا يمكن توصيفها بوصفها محاكمات عادلة، بل تمثّل استخداماً منظّماً للقضاء كأداة ردع وقمع سياسي.
خامساً: الإطار الحقوقي… لماذا تُعدّ هذه الممارسات انتهاكاً صارخاً؟
تُخالف هذه الممارسات جملةً من المبادئ والقواعد الحقوقية الأساسية، من بينها:
الحق في حرية الرأي والتعبير.
الحق في الحرية والأمان على الشخص، وحظر الاعتقال التعسفي.
الحق في محاكمة عادلة تتوافر فيها ضمانات الاستقلال والنزاهة.
الحظر المطلق للتعذيب وللمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
حق المحتجزين في المعاملة الإنسانية وإخضاع أماكن الاحتجاز لرقابة مستقلة.
وعندما تُغيَّب الرقابة والمساءلة، تتحوّل أماكن الاحتجاز إلى فضاءات مغلقة تُرتكب فيها الانتهاكات بعيداً عن أي محاسبة.
سادساً: مطالب حقوقية عاجلة
إن أي مقاربة حقوقية جادّة تفرض جملة من المطالب الواضحة، أبرزها:
الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع معتقلي الرأي المحتجزين بسبب ممارستهم السلمية لحقوقهم.
ضمان كافة حقوق المحتجزين، وعلى رأسها حق الدفاع والتواصل والزيارة.
إخضاع السجون وأماكن الاحتجاز لرقابة مستقلة وفعّالة.
فتح تحقيقات جدّية ومستقلة في جميع ادعاءات التعذيب وسوء المعاملة، ومحاسبة المسؤولين عنها.
مراجعة القوانين والممارسات التي تُستخدم لتجريم الرأي والتعبير السلمي.
إن ما يتعرّض له معتقلو الرأي في السعودية لا يمكن توصيفه بوصفه تجاوزات فردية، بل هو نمطٌ ممنهج من الانتهاكات يمسّ جوهر العدالة وسيادة القانون. فحين يصبح القانون أداة لإسكات الأصوات، وتُستخدم السجون لكسر الإرادة، يفقد المواطن في السعودية أبسط ضماناته، وتتحوّل الحقوق إلى وعودٍ فارغة.
وما لم تُكسر حلقة الإفلات من العقاب، سيظل معتقل الرأي يدفع ثمن الكلمة خلف القضبان، وتدفع عائلته ثمن الصمت خارجها.
.



