تغليظ أحكام
-
تقارير اللجنة
تغليظ الأحكام بحق معتقلي الرأي في السعودية: حين تتحول العدالة إلى أداة لصناعة الصمت
لا تبدأ قضية معتقلي الرأي من لحظة صدور الحكم في القضاء السعودي المسيّس، بل من السؤال الأهم: هل حصل المعتقل أصلًا على محاكمة عادلة ومستقلة تضمن له حقوقه الأساسية؟ فحين يُحرم المواطن من حريته بسبب تعبيره عن آرائه بشكل حضاري، أو يُحتجز لفترة طويلة، أو يواجه اتهامات لا تتناسب مع النشاط الذي قام به، ثم تصدر بحقه أحكام قاسية وتُغلّظ في مراحل الاستئناف، فإننا لا نكون أمام مجرد تشدد في العقوبة، بل أمام منظومة من الإجراءات تتستر تحت قانون الإرهاب لتجعل من القانون نفسه وسيلة لمعاقبة المواطنين على آرائهم. ومن هنا يجب النظر إلى تغليظ الأحكام لا باعتباره واقعة منفصلة، بل باعتباره حلقة ممنهجة من قبل النظام السياسي تبدأ بالاعتقال والإجراءات القضائية، وتمتد آثارها إلى المعتقل وأسرته والمجتمع بأكمله. أولًا: المحاكمة العادلة هي نقطة البداية العدالة لا تبدأ بالعقوبة، وإنما تبدأ بضمانات المحاكمة. من حق كل متهم في هذا الوطن أن يعرف بوضوح ما هي الأفعال المنسوبة إليه، وأن يُمنح الوقت والوسائل الكافية لإعداد دفاعه، وأن يحصل على مساعدة قانونية فعالة، وتوكيل محامٍ مستقل، وأن يمثل أمام جهة قضائية مستقلة ونزيهة، وأن يُعامل بوصفه بريئًا حتى تثبت إدانته وفق إجراءات عادلة. كما أن من حقه ألا يتعرض للتعذيب أو الإكراه أو المعاملة المهينة، وألا تُستخدم اعترافات انتُزعت تحت الضغط كأساس لإدانته. وتتطلب العدالة كذلك أن تكون الأحكام معللة، وأن يتمكن المحكوم عليه من الطعن فيها أمام جهة مستقلة، وأن تكون العقوبة مبنية على فعل مجرّم بوضوح، لا على تفسير فضفاض لنصوص يمكن استخدامها لتجريم التعبير عن الرأي بشكل حضاري وسلمي. فإذا غابت المحاكمة العادلة، فإن قسوة الحكم تصبح نتيجة لمشكلة بدأت قبل صدوره، وليست مجرد مشكلة في مقدار العقوبة. ثانيًا: الاعتقال التعسفي والتهمة غير المتناسبة من أخطر الانتهاكات أن تتحول إجراءات إنفاذ القانون إلى وسيلة لمعاقبة الإنسان قبل ثبوت مسؤوليته. فالاعتقال يجب أن يستند إلى أساس قانوني واضح، وأن يخضع للرقابة القضائية، وألا يتحول الاحتجاز المطول إلى عقوبة غير معلنة. وتزداد خطورة ذلك عندما تكون الأفعال المنسوبة إلى المعتقل مرتبطة بكتابة رأي، أو انتقاد مسؤول، أو التعبير عن موقف سياسي أو حقوقي، أو انتقاده لرؤية محمد بن سلمان 2030، أو حتى تقديم النصح لمعالجة الأوضاع الاجتماعية السلبية، ثم تُصاغ الاتهامات بصورة أمنية أو فضفاضة لا تتناسب مع طبيعة النشاط المنسوب إليه. لا يكفي أن تحمل القضية اسمًا قانونيًا حتى تصبح عادلة؛ العبرة بالفعل الحقيقي، وبمشروعية الإجراءات، وبمدى تناسب التهمة مع السلوك المنسوب إلى الشخص. فإذا كان الفعل تعبيرًا سلميًا، فإن تحويله إلى قضية أمنية شديدة الخطورة يُعد انتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان، ويثير سؤالًا جوهريًا حول ما إذا كان القانون يُستخدم لحماية المجتمع أم لإسكات المطالبين بحقوقهم المشروعة والمعترضين على انتهاكات النظام السعودي لحقوق المواطنين. ثالثًا: العقوبة يجب أن تتناسب مع الفعل هناك توثيقات حقوقية تدين النظام السعودي لاستخدامه العقوبات لإرهاب المخالفين والمعارضين والنشطاء، ولكن حتى عندما تثبت مسؤولية مواطن عن نشاطه واعتراضه، فإن العدالة تقتضي أن تكون العقوبة متناسبة مع طبيعة النشاط والرأي الذي تبناه. أما إصدار أحكام طويلة بحق أشخاص بسبب ممارسات مرتبطة بالتعبير عن الرأي بشكل سلمي ومسؤول، فيثير مخاوف جدية بشأن استخدام العقوبة بما يتجاوز وظيفتها القانونية. فالسنوات التي يقضيها المواطن المعتقل خلف القضبان ليست رقمًا في حكم قضائي؛ إنها سنوات من عمره، ومن علاقته بأسرته، ومن عمله وحياته ومستقبل أبنائه. وحين تكون العقوبة أشد بكثير من الفعل المنسوب إلى الشخص، فإنها لا تعود مجرد جزاء، بل يمكن أن تتحول إلى أداة ترهيب وردع للآخرين. …
أكمل القراءة »