حملات التشويه المنظمة في السعودية… من يقف خلفها؟

تُعد ظاهرة الذباب الإلكتروني إحدى أبرز أدوات القمع الرقمي وانتهاك الحقوق الرقمية التي تلجأ إليها الحكومات الاستبدادية في دول الخليج، وخاصة في السعودية، لإسكات الأصوات الحرة وفرض سرديتها الرسمية على الفضاء العام. وتمتلك هذه الحكومات إمكانيات مالية وتقنية هائلة، فتستخدمها لإدارة حملات منظمة ومنسقة تهدف إلى:
• نشر السردية الرسمية وتجميل صورة السلطة على حساب الحقيقة وحق المجتمع في الوصول إلى المعلومات.
• تشويه وتخوين أي صوت يطالب بإصلاحات سياسية حقيقية، أو يكشف الفساد، أو ينتقد السياسات الحكومية، في انتهاك واضح لحرية الرأي والتعبير المكفولة بموجب المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
• وصف كل مطالبة سلمية أو مسيرة احتجاجية أو حتى نقد مشروع بـ«إثارة الفتنة» و«الفوضى» و«التدخل الخارجي»، بهدف نزع الشرعية عن المطالب الحقوقية السلمية وترهيب المواطنين من المشاركة في الشأن العام.
في بيئة تفتقر فيها حرية التعبير إلى أدنى الضمانات القانونية، بفعل قوانين قمعية صارمة تُجرّم «الإساءة للرموز» أو «الإخلال بالنظام العام»، يصبح أي نقد علني مكلفاً للغاية. وهنا يحل الذباب الإلكتروني محل الحوار المجتمعي الطبيعي، فيُستخدم كأداة للترهيب والتشهير والتحريض والتهديد ونشر الخوف بين المواطنين، بما يخلق مناخاً عدائياً يقوّض الحق في التعبير والمشاركة المدنية.
وفي منصة إكس، توجد مئات الحسابات، إن لم نقل آلافاً، تعمل بصورة متزامنة وتكرر العبارات والشعارات نفسها في توقيت واحد، مما يكشف الطبيعة المنظمة والممولة لهذه الحملات الرقمية الممنهجة.
هذه الممارسات لا يمكن اعتبارها «دفاعاً شعبياً» عفوياً، بل تمثل سياسة ممنهجة تهدف إلى قمع حرية الرأي والتعبير، وإسكات المعارضين، ومنع أي نقاش حقيقي حول الإصلاح أو المساءلة أو مكافحة الفساد.
إن استخدام الذباب الإلكتروني بهذا الشكل يشكل اعتداءً مباشراً على الحق في حرية التعبير والحق في الوصول إلى المعلومات والحق في المشاركة في الحياة العامة دون خوف أو ترهيب، كما يساهم في نشر خطاب الكراهية والتشهير والتحريض ضد النشطاء والمعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان.
ونوجّه نداءً صريحاً للنظام السعودي:
توقفوا فوراً عن استخدام أساليبكم غير الإنسانية القائمة على الذباب الإلكتروني والتلاعب بالرأي العام والتشويه الممنهج للحقائق وللمعارضين السلميين.
كفى تخويناً لكل صوت يطالب بالإصلاح أو يكشف الفساد أو ينتقد السياسات الفاشلة. فحرية التعبير ليست جريمة، والنقد السلمي حق مشروع تكفله المبادئ الحقوقية والإنسانية.
كفى وصف المطالب السلمية بـ«إثارة الفتنة» و«الفوضى» و«التدخل الخارجي». إن المطالبة بالإصلاح والعدالة والشفافية ليست تهديداً للدولة، بل حق أصيل لأي مواطن يسعى إلى مجتمع أكثر عدلاً واحتراماً للحقوق والحريات.
لقد آن الأوان لفتح المجال العام أمام حرية التعبير والتعددية الفكرية، بدلاً من خنق الأصوات المستقلة عبر حملات الترهيب الرقمي والقمع الصامت.
فالأوطان لا تزدهر بالتكتم على نقاط الضعف والفشل، ولا بإسكات المنتقدين، بل تزدهر عندما توجد بيئة حرة تسمح بالنقاش والمساءلة وكشف الفساد ومعالجة الأخطاء بشفافية وعدالة.
إن الخوف والتكتم والذباب الإلكتروني لن تبني دولاً مستقرة وقوية، بل ستؤدي إلى تراكم الأزمات وتوسيع فجوة انعدام الثقة بين السلطة والمجتمع.
الإصلاح الحقيقي يبدأ بحماية حرية الكلمة واحترام الحقوق الأساسية للمواطن، لا بإسكات كل من يحاول قول الحقيقة.




